مسـار نشـأة مدرسـة شـیكاغو وتطورهـا لـم یكـن محـض صـدفة، بـل هـو نتـاج تضـافر مجموعـة متنوعـة مـن العوامـل التـي أسـهمت فـي تهیئـة الظـرف والمنـاخ المناسـب لخـروج أعمـال عـدد مـن المنتسبين لهـذه المدرسـة إلـى العلـن. وهـي العوامـل التـي قـدرها الـدكتور عبـد الـرحمن المالكي فیما یلي : • النمو الحضري الضخم لمدينة شيكاغو . • نشـأة البحـث العلمـي بجامعـة شـیكاغو: فـي هـذه الأوضـاع، افتتحـت جامعـة شـیكاغو أبوابهـا سنة 1892 لاسـتقبال طلابهـا الأوائـل بعـد مضـي سنتن علـى إنشـائها، الألمانیـة ، وتعتبر شعبة علم الاجتماع والأنثروبولوجيا التي أنشئت في هذه الجامعة سنة 1892 أول شـعبة مـن نوعهـا فـي العالم، والتي أصبحت منذ مطلع سنة 1915 أهم مركز للدراسة والتكوين فـي مجـال السوسـیولوجیا فـي الولایـات المتحـدة الأمریكیـة، والتـي بقیـت للعقدين اللاحقين الشـعبة الأكثـر حظـوة والأحسـن سـمعة مـن بـین مثيلاتها الأمريكيات . ویرجع الفاضل الكبیر في النجاح الباهر الذي حققته هذه المدرسة فیما بعد، إلى شخصیتین بارزتین وهما رئيس الجامعـة آنـذاك: وليام هـاربر، والـذي طالـب وأشـرف علـى إنشـاء قسـم للدراسات العليا و الدكتوراه بهـذه الجامعة، وهو ما سمح بانتعاش البحث العلمي بها، بعـدما كـان التـدریس والتكـوین النظـري هـو الجانـب الطـاغي علیها، والغرض من ذلك هـو تحقیـق انفتـاح الجامعـة علـى محیطهـا الخـارجي. كمـا سـعى جاهـدا لإیجـاد الوسـیلة الأفضـل لنشـر الأبحـاث المنجـزة، حیـث تـم فـي هـذا الإطـار إنشـاء "مطـابع جامعـة شـیكاغو"، وذلـك حتـى قبـل التحاق أول طالب بهذه الجامعة. هـذه الاسـهامات العلمیـة والمؤسسـاتیة الاداریـة، أسـهمت بشـكل مباشـر وفعـال فـي تأسـیس الممارسـة السوسیولوجیة في مدرسة شیكاغو والتي تحولت إلى عنوان بارز للبحث الحضري حتى الألفیة الرابعة من القرن الماضي تقریبا. الجریمـة. إلـى انبثـاق وانتشـار العدیـد مـن الأفكـار والمـذاهب الاجتماعیـة والسیاسـیة التـي كانـت تدعو إلى الاصلاح الاجتماعي. ولقـد غـذى الـوعي بأهمیـة هـذه المشـاكل، الاحسـاس بضـرورة التـدخل لمعالجتهـا والحـد مـن أثارهـا، حیـث ظهرت فـي هـذا الاطـار العدیـد مـن المحـاولات التدخلیـة، كالتیـار الصـحي والـذي كـان یتزعمـه بعـض المصـلحین الاجتماعیین وبعض الأطباء، والذي كان یسعى للقضاء على الأمراض المتفشیة فـي الفئـات الاجتماعیـة الـدنیا، وكـذلك بعـض الأغنیـاء والمؤسسات الرسمیة، واللذان تقاطعا مع تیار العمل الاجتماعي (الخدمة الاجتماعیة) والذي كـان یسـعى لتنظـیم وعقلنة مختلف هذه التدخلات، ومحاولة رصد المشاكل الاجتماعیة وتحدید أسبابها ومواطنها. هـذه التيارات كلهـا التجـأت وبشـكل منهجـي، وانطلاقـا مـن مبـادرات فردية أو جماعية خاصـة أو رسـمیة لانجـاز تحقیقـات اجتماعیـة ، مـن منطلـق أن أي عـلاج یقتـرح لمواجهـة مشـكلة اجتماعیـة مـا یقتضـي وجـود قـدر أوفر من المعطيات الأكثر نسقية وانتظاما. مشاكل السكن، العمل والأمراض المهنية. هـذه التحقیقـات أفـادت كثيرا السوسـیولوجیا، باعتبار أن العدید من علماء الاجتماع الأوائل بجامعة شیكاغو انتقلوا من العمل الاجتماعي الى السوسیولوجیا، كما هو الحال بالنسبة لكل من: هاربر، سمول،