فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم داخلوا مكة عامهم ذلك، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر. استنفار المسلمين وغسل ثيابه، وركب ناقته القصواء، السيوف في القرب. المسلمون يتحركون إلى مكة وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبا من عسفان أتاه عينه، وجمعوا لك جموعا وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. واستشار النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال: «أترون نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، إنما جئنا معتمرين، ولم نجيء لقتال أحد، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: فروحوا، فراحوا. محاولة قريش صد المسلمين عن البيت وكانت قريش لما سمعت بخروج النبيّ صلى الله عليه وسلم عقدت مجلسا استشاريا، قررت فيد صد المسلمين عن البيت كيفما يمكن، فبعد أن أعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأحابيش، نقل إليه رجل من بني كعب أن قريشا نازلة بذي طوى، وأن مائتي فارس في قيادة خالد بن الوليد مرابطة بكراع الغميم، ثم قرر أن يميل على المسلمين- وهم في صلاة العصر- ميلة واحدة، ولكن الله أنزل حكم صلاة الخوف، فقاتت الفرصة خالدا. تبديل الطريق ومحاولة الإجتناب عن اللقاء الدامي وسلك بهم ذات اليمين بين ظهري الخمش، تركه إلى اليسار، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية، فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا. ____ 1) ثمد: حوض. ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانت خزاعة عيبة «1» نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل «2» ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، وإن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإن أبوا إلا القتال فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره» . قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا، فإن شئتم عرضته عليكم. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فبعثت قريش مكرز بن حفص، فقالوا: آته فلما أشرف على النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فبعثوها له، واستقبله القوم يلبون، وما أرى أن يصدوا، وجرى بينه وبين قريش كلام أحفظه. ودعوني آته فقالوا: آته، فاتاه، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل، أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الآخرى فو الله إني لأرى وجوها، فقال له أبو بكر: أمصص بظر اللات، أنحن نفر عنه، ؟ قال: من ذا؟ قالوا:أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك. وكلما كلمه أخذ بلحيته، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر، وأما المال فلست منه في شيء (وكان المغيرة ابن أخي عروة) . فرجع إلى أصحابه، والله لقد وفدت على الملوك، على قيصر وكسرى والنجاشي، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. هو الذي كف أيديهم عنكم ولما رأى شباب قريش الطائشون، والطامحون إلى حرب، رغبة زعمائهم في الصلح، فكروا في خطة تحول بينهم وبين الصلح، فقرروا أن يخرجوا ليلا ويتسللوا إلى معسكر المسلمين،