المقدمة أضحت الترجمة المتخصصة ذات أهمية بالغة غداة الحرب العالمية الثانية موازاة مع انفتاح السوق العالمية الاقتصادية. و في ظل الإنفجار المعرفي تزايدت الحاجة إلى المترجمين المتخصصين الذين يتمتعون بالدقة العالية في مجال تخصصهم، إلا أن ترجمة النصوص المتخصصة هي مهمة عسيرة وشائكة، وذلك لكون ترجمة أي نص متخصص تعد تجربة جديدة في حد ذاتها، ولذلك، فإن الترجمة المتخصصة تتطلب تكوينا خاصا ملما بكل جوانبها من لغة الاختصاص إلى خصوصية النصوص وأنواعها. لقد استقطبت الترجمة المتخصصة في العقود الأخيرة إهتمام المنظرين والباحثين و نالت قسطا وافرا من كتاباتهم، إذ هناك أبحاث عديدة تناولت الشركة الفرنسية للمترجمين" - في: كثيرا ما تقتضي الضرورة أن يكون المترجم المتخصص مصطلحيا ومعجميا إضافة إلى كونه مترجما، ذلك كون عمله يضعه في الواجهة الأولى لمن يبحثون عن المقابلات المناسبة للمصطلحات التي يراد ترجمتها، حتى قبل المصطلحي نفسه، فالمترجم هو أول من يصادف هذه المصطلحات، وكثيرا ما تكون حديثة قليلة التداول، وليس لديه متسع من الوقت كي ينتظر المصطلحي، فيقوم هو بالبحث عن أحسن مقابل لها. و قد يقوم المترجم نفسه بدور الرقيب على ترجمته، حيث عليه أن يتأكد من صحة ترجمته، أو يشعر بأنها أضعف من الأصل (الجيلاني 1996، فتكمن مهمته وعلى حد قول رئيس هذا الموضوع في كله أو جزئه، d'assimiler un texte scientifique ou technique écrit dans une langue étrangère. et de le réécrire de façon que le spécialiste auquel il est destiné ait l'impression qu'il a été écrit dans son propre pays Horguelin 1996. 16) (9) الخوري ( شحادة)، دراسات في الترجمة والمصطلح والتعريب، ط1، 2007 ، بيروت وكذلك في النحو والصرف والأساليب اللغوية إن الهدف من هذه الدراسة هو تسليط الضوء على مفهوم الترجمة المتخصصة ومهارات المترجم المتخصص البحت و شروط تكوينه من أجل ترجمة متخصصة كاملة من جميع النواحي. القويمة (الجيلاني، 1996، صفحة (36). وعليه، فإن إشكالية هذا المقال تقوم في جوهرها، نوجز بعضها فيما يلي: ويتجلى لنا دور المترجم أكثر، إذا ما قارنا الترجمة البشرية بالترجمة الآلية، فهنا تتضح أهمية الدور الذي يؤديه و يتبين لنا أيضا أن الترجمة ليست مجرد مقابلات المفردات بل هي أبعد من ذلك، فكثيرا ما نجد أن الترجمات الآلية لا تؤدي الغرض المطلوب، وفي أحيان كثيرة تبتعد من معنى النص الأصلي، حيث تعجز هذه الأخيرة عن ترجمة معظم التعابير المصطلحية، وقدراته الفكرية لإعطاء ترجمة سليمة مفهومة، تكوينه ، و ما هي معايير تقييم أدائه ؟ 2 خصائص الترجمة المتخصصة تستهدف الترجمة المتخصصة النصوص التقنية وتتميز عن غيرها من الترجمة بخصوصية النصوص، والأسلوب التقني الذي يشكل صعوبات لا يستطيع أن يتجاوزها المترجم غير المتخصص. يلخص شحاذة الخوري أهم مميزاتها في قوله: " تتميز هذه الترجمة بأنه ينبغي أن تتوافر لها الدقة والوضوح في تكون عونا للمترجم لا أكثر. المعنى، مع صحة المصطلح، وسلامة اللغة، وجمال العبارة الخوري، 1989، صفحة (57) (4) وهناك سؤال يفرض نفسه هل يعتبر كل ثنائي، أو ثلاثي اللغة مترجما؟ بطبيعة الحال، والنص الهدف والتنقل من اللغة الأصلية إلى اللغة الهدف بمرونة، وإيجاد المقابلات المناسبة وحسن التصرف في المصطلحات خاصة في ميدان الترجمة 3. دور المترجم المتخصص قد يبدو للبعض أن عملية الترجمة عملية سهلة يسيرة تتلخص في استبدال لفظة بغيرها من اللغة الأصل إلى اللغة الهدف، غير أن الأمر ليس بهذه البساطة ، فالترجمة تتطلب عدة مؤهلات، وكفاءات من أجل القيام بها، إضافة إلى أن المترجم يقوم بعدة أدوار في الوقت نفسه، خاصة في مجال المتخصصة. إضافة إلى ذلك على المترجم مراعاة مستويات اللغة التي استعملها كاتب النص، فإذا ترجم المبتدئ في ميدان القانون مثلا، فلا يخالف بساطة تعبير الكاتب والأمر نفسه إذا ما الترجمة المتخصصة. ترجم لخبير قانوني أو المحاسب مالي من الذين يملكون زمام وهذا الأمر لا يمنع المترجم من ذكر مصادره، فإذا ما أخذ أمور تخصصهم، وعلى الرغم من الطابع التقني لأسلوب النص المتخصص إلا أنه لا يخلو من ضروب المجاز والاستعارة، وذلك بمعرفة وافرة، معلومة توجب عليه الإشارة إلى صاحبها. ولا حرج عليه إذا ما استعان باختصاصي في الميدان الذي يترجم فيه إذا ما لزم الأمر، بل هذا و يتحقق هذان العاملان بالبحث المستمر والتعطش الدائم المستجدات اختصاصه، ما يعطيه كفاءة من أجل القيام بعمله، فيسعى المترجم دائما إلى تحسين معارفه في مجال يزيد من قيمة عمله، وصحته، ودقته. التي لها أهمية بالغة في هذا الميدان، فعليه التأكد من أن النص الهدف يؤدي نفس معنى النص الأصل وغرضه، ويحمل نفس المعلومات الظاهرة ، والباطنة، مع احترام أسلوب الكاتب إذا ما كان بسيطا أو معقدا حافلا بالصور البيانية، أو عكس ذلك، فالمترجم ليس مفسرا النص الأصل، بل مترجما له، أمينا عليه، أفضل، وأخطاؤه أقل. ولا يمكن أن ننسى الدور الذي يؤديه تأثير المترجم الشخصي في النص الهدف، لا لتثير وجهة نظره للمواضيع المعالجة في النصوص المقدمة للترجمة وتقنيتها والتي لا تستدعي عادة عامل ميول المتلقي (المترجم)، إلا أن هناك نوعا من التأثر من قبل المترجم أحيانا، وانعكاسه في النص الهدف يرجع إلى مدى تأثره بفكرة الكاتب وقبولها فلذا يطلب منه الابتعاد قدر المستطاع عن إبداء تأثره من خلال ترجمته، وأن يهدف دائما إلى الموضوعية، وأن يتماشى وروح الأسلوب، وغيرها، وبإمكانه الإشارة إلى أي خطأ النص الأصل، المترجم إليها. احترام أسلوب النص الأصلي أثناء عملية النقل أي الاعتناء بالجانب اللغوي و ذلك بسبب اختلاف أنواع النصوص فلغة النص الطبي مثلا تختلف عن لغة النص الإشهاري. ويتعين على المترجم المتخصص من أجل تحقيق تلك الأدوار أن يتسلح ورد عن الكاتب وذلك في الهامش مقدما البراهين. وألا ينكب على مواضيع هو غير قادر على ترجمتها. فحين نتكلم عن الترجمة المتخصصة، فإننا نقصد من وراء ذلك الابتعاد التام عن الترجمة العامة، والمليئة بالأخطاء، تفي بالهدف بعدة مهارات 4 مهارات المترجم المتخصص يتحقق النجاح في أي ميدان من الميادين بتوافر شروط وعوامل والترجمة المتخصصة كذلك لها عوامل وشروط لنجاحها، 7( أهمها وتتلخص في أربع نقاط الخصوص إلى الأخلاقية منها على مستوى عمله، ونذكر هي: المنشود، دقيقة وذات مستوى. ويتجلى دور المترجم أيضا، يشترط في المترجم المتخصص امتلاكه المؤهلات، وإتقان اللغتين، واقتناء المراجع اللغوية والتخصصية، ومعالجة مشكلة المنقول من لغات لها خصائصها التركيبية التي تختلف جزئيا أو كليا عن خصائص العربية والتي قد يؤدي عدم اكتشافها إلى معضلات دلالية تشوه المعنى أو تعكسه " (الجيلاني ، صفحة (47) (1) خاصة في مجال الترجمة المتخصصة وعلى سبيل المثال نأخذ ميدان الترجمة المالية، حيث يطلب من المترجم ترجمة حوصلات سنوية لشركات، حيث تعتبر السرية أيضا أمرا مطلوبا، كي لا إن المترجم المتخصص المحترف هو الذي يمتلك الكفاءة اللازمة للقيام بعمله، فإن المترجم المتخصص مطالب بامتلاك مهارات أخرى تعينه على التعامل مع تسلب مجهودات الباحث المعني، وعمله. النصوص المتخصصة تحديدا. هناك خمسة مهارات أو أنواع في إثرائه لقاموسه الشخصي، وينعكس ذلك إيجابا على عمله من المعرفة يتوجب على المترجم المتخصص التزود بها وهي: بطبيعة الحال. معرفة لغة الأصل و لغة الهدف، معرفة أنماط النصوص ومعرفة موضوع البحث (معرفة حقيقية)، ومعرفة تقابلية روجر، 1999، صفحة (91)(2)، إضافة إلى معرفة دلالية ( كيف تتركب القضايا)، ومعرفة براغماتية ( كيف يتم تحقيق الجميلة على هيئة نص يحمل المعنى، يجب أن يكون المترجم ملما بمجال تخصصه إلماما تاما دقيقا مطلعا على آخر الأحداث والأخبار، يقوم بتجديد دائم المعلوماته، وهذا بالبحث، والتتبع المستمر لكل الأخبار التي تمس ميدان تخصصه من قريب أو من بعيد، و يتم هذا عن طريق المجلات المتخصصة، والجرائد والنشرات الإذاعية والتلفزيونية، وشبكة الإنترنيت التي تقدم خدمات وفيرة. يحلل النص إلى جميلة ) ( روجر ، 1999، صفحة (92) (2) . المهارات اللغوية من بين مهارات المترجم المتخصص التمكن من اللغتين المصدر و الهدف، 5()13. 7 السيد منسي، ومن الأمثلة على ذلك كلمة commerce ابراهيم عبد الرزاق والسيد منسي، صفحة (8) (5) التي ترجمتها من سياق إلى آخر؛ فهي تعني (1) تجارة تارة وتبادل فكري تارة أخرى، (3) وتعني صلات اجتماعية ( علوم اجتماعية)، (4) وتعني أيضا اتصال جنسي: غير شرعي (قانون). ومعرفة المترجم وإدراكه المعاني المختلفة للمصطلح الواحد ضمن السياق والتخصص المستعمل فيه يجنبه الالتباس ويجعله يتحكم في معاني المفردات المترجمة الصحيحة، وتلك المعرفة تتوافر له من خلال الممارسة المكثفة، والقراءة العميقة ما يمت بصلة لمجال تخصصه فيكتسب الخبرة والمعرفة وميسور إذا (2) ما تعلق الأمر ب "اللغة الأم"، (بالنسبة إلى البلدان المزدوجة اللغة). حيث أن المترجم يتعلم اللغة الأم منذ ولادته، ويزداد تعمقه فيها خلال سنوات في الدراسة. فيتم تعلمها في سن مبكر، والثابت علميا أن الإنسان يسهل عليه تعلم لغة ثانية في سنوات التعليم الابتدائي حيث القابلية للاستيعاب والتعلم أفضل منها في لكل سن الرشد (الجيلاني، 1996، صفحة (34). وبالنسبة إلى وما الجزائر - على سبيل المثال - فإن اللغة العربية هي اللغة الأم"، ونجد أن المترجمين الجزائريين تكون ترجمتهم أدق حين ينقلون من اللغة الأم" إلى "اللغة الثانية على ترجمتهم بين "اللغة الأم" و"اللغة الأجنبية الثانية؛ أي اللغة الانجليزية، وأدق أيضا من ترجمتهم بين اللغة الفرنسية والانجليزية. ولذلك فإن منظري الترجمة يفضلون أن ينقل المترجم بين اللغة الأم" واللغة الأجنبية الأولى" في بلده على أن يترجم بين اللغة الأم" و"اللغة الأجنبية الثانية"، أو بين "اللغة الأجنبية الأولى" هو إدراك المصطلحات فلكل ميدان، أو اختصاص معجمه المفرداتي الخاص، ولا يتسنى ذلك للمترجم إلا حتى يسهل عليه فهمها، وإدراكها بدقة، ومنه الترجمة بالبحث والقراءة والاطلاع على مستجدات مجال تخصصه الفعلية الصحيحة لها، ولا يكون سلبيا، مجرد مستهلك المجهودات الآخرين، منتظرا ترجمتهم المصطلحات، وأول من يساهم في ترجمة المصطلحات. و اللغة الأجنبية الثانية". فالمترجم مثل الموسوعة، فضولي في كل المجالات، وكثيرا ما نجد بنص متخصص، فقرات خاصة بالميدان التجاري أو البشري، أو الطبيعي. وهنا يطلب من المترجم إبان ترجمته أن تكون له معلومات كافية بخصوص هذه الميادين الأخرى حتى يتمكن من ترجمة هذه الفقرات، إضافة إلى معرفة متخصصة بالميدان الذي يصب فيه النص، حتى لا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة حين يقوم بترجمة نص يرجع إلى هذا و يشمل تمكن المترجم من اللغتين الإلمام بالقواعد اللغوية والمصطلحات والتعابير والتراكيب لكلتا اللغتين، حتى يتسنى للمترجم النقل الصحيح الأمين للأفكار الأصلية إلى اللغة الهدف، وهو الأمر الذي يجعله يستعمل التعابير اللائقة الموافقة المتماشية معها، ثم إن الفهم الصحيح لمدلولات المصطلحات يجنب المترجم الوقوع في متاهات الترجمة الحرفية التي تبتعد عن المعنى الصحيح في كثير من الأحيان ولا تؤدي الغرض المطلوب. وحيدة اللغة، أو ثنائية اللغة وهو أمر محبذ مطلوب حين يعسر عليه فهم مصطلح ما، بل الميدان. فالترجمة في حد ذاتها أمر يدعو المترجم لاتخاذ الكثير من القرارات في اختيار المصطلحات والأسلوب وغير ذلك حيث المطلوب من المترجم المتخصص الدقة التامة في إعطاء إن لجوؤه واستعانته بالمعاجم والقواميس المتخصصة يزيد المصطلحات الواردة في النص الأصل البديل، ولا تنتهي مهمته في ترجمة المصطلحات فقط بل عليه أن يوفي بالمعنى، ولذلك يفترض أن يكون ملما بمجال التخصص الذي يصب فيه النص، وبمواضيعه، ولغته وأسلوبه فيبدأ بفهم النص تماما وإدراكه قبل الشروع في ترجمته حيث أننا نفهم لنترجم ولا أو الاعتماد على الوسائط التي من شأنها أن تقرب الفهم. وفي الأخير يهم المترجم بإعادة التعبير، بادئا بترجمة أولية مستعينا بفكره التحليلي متبعا منهج المنطق، ليضبط ترجمته، محاولا خلق نفس أسلوب الكاتب للحصول على نفس التأثير، وهي الفرصة أيضا لتصحيح الأخطاء التي وردت عن الترجمة الأولية، وبهذا نترجم لنفهم. هذا ما يمكنه من الاختيار الحسن للألفاظ والمصطلحات والتعابير والتراكيب يحصل على ترجمة نهائية دقيقة صائبة. عند مرحلة إعادة التركيب، وما يسهل عليه أيضا فهم محتوى النص وإدراكه، وهذا هو مفتاح الترجمة المتخصصة الناجحة. 1.5 في فهم النص من بين مهارات المترجم التي يحتاجها في هذه المرحلة هو الإلمام بالمعارف اللسانية وآليات تطبيقها، وهذا في اعتقادنا لا يتحقق إلا بالممارسة المستمرة، والتوثيق الدائم، حيث إن البحث التوثيقي 3.4 المهارة النصية ( التعرف على أنواع النص تكفل هذه المهارة احترام المترجم أسلوب الكاتب فيتبنى الأسلوب نفسه عند صياغته النص الهدف، ولذلك يفترض أن يكون المترجم متحكما في قواعد اللغة وأساليب البلاغة والبيان حتى يسهل عليه الإحاطة وإدراك الأساليب التي يستعملها الكاتب، وحتى يفهم ما يرمي إليه ، ويتقيد بالصور البلاغية نفسها في ترجمته إلى أقصى حد ممكن بحيث يمكن القارئ أن يميز أسلوب الكاتب الأصلي. والبلاغية والأساليب اللغوية التي يجب هو العامل الأساس من أجل إدراك النص. فلهذا يجب أن يتساءل المترجم دائما عن معنى هذه الجملة أو تلك الفقرة، ولعل الطريقة التي تبسط له الأمور هي البحث التوثيقي الذي ينجزه من أجل إيضاح الأمور حتى ينجح في عمله. أخذها بعين الاعتبار في عملية الترجمة ويتمثل عمل المترجم في إعادة تركيب النص بعد تفكيكه، فيقوم المترجم في هذا الباب بإعادة تركيب النص، وبهذا تكون الفقرة أوضح ويتم التخلص من ظاهرة التكرار، وقد يكون العكس إذا هم بترجمة جمل طويلة معقدة، وهذا على المترجم أن يتسلح بأساليب وتقنيات الترجمة حتى يتحرى الوفاء في ترجمته للنص الأصل، وهذا الأمر ليس خاصا بالترجمة الأدبية وحدها، بل هو مطلوب أيضا في مجال الترجمة المتخصصة، ذلك أن عدم وفاء الترجمة للنص الأصل لا يغتفر ولا يسمح به، لأن الأمر يتعلق بترجمة قرارات وابتكارات قد يرتكز عليها مصير شركات، أو حتى اقتصاد بلدان بحالها إذا ما أخذنا الترجمة المالية مثالا لتجسيد فكرتنا. وعليه فإن عنصر الأمانة يصبح عاملا بالغ الأهمية، ومخالفته ينجر عنه نتائج سلبية ثقيلة، فيكون المترجم واضحا في كلامه متفاديا لكل أنواع الالتباس، متسلسلا في أفكاره وجمله، حتى لا وعليه فالمترجم مطالب ببذل قصارى جهده، والاستعانة بكل الوسائل الموجودة تحت يده من أجل فهم النص، حتى يتمكن من ترجمته ترجمة حسنة، ولا يلجأ إلى الترقنة، فيعطي كل كلمة في النص الأصلي مقابلها في اللغة الهدف، وهذا أكبر دليل على أن المترجم لم يفهم النص الأصلي، ويحاول فهمه عن طريق الترجمة الشيء الذي يعتبر خطأ، يترك أي مجال للفهم الخاطئ أو لتأويل القارئ. النص هي أمر سابق للترجمة، ثم إعادة صياغة المعنى المحصل في اللغة الهدف تتطلب كل مرحلة استحضار مهارات معينة ومما لا شك فيه أن القراءة عامل مفيد جدا، فعند القراءة الأولى، يمكننا أن نفهم محتوى النص ما احتواه من مصطلحات، لكن عند القراءة التحليلية الثانية والثالثة، ولا بد من الإشارة إلى استحالة ترجمة مفردات النص بمعزل عن السياق الذي وردت فيه، وإذا قام المترجم بذلك، فإن نصه يولد مشوها بعيدا من المضمون الذي كتب لأجله أول مرة بلغته الأصلية، لأن الترجمة تقتضي الاهتمام بالمفردة داخل السياق الذي كتبت لأجله، ويأتي تنسيق كل ذلك بالأسلوب المناسب لطبيعة والإحاطة بكل المعلومات والمعطيات الواردة في النص، ومن ثم يمكنه التغلب على هذه المجدية التي تحت يده. ويكون الأمر جليا عند مقارنة ترجمتين لنص واحد، المترجمين مختلفين، فنجد أن إحداهما أحسن من الأخرى، الذي تختلف درجته من مترجم إلى آخر. الصعاب. مع إعطاء كل مرحلة وينعكس هذا حتما على الشكل والمضمون اللذين يعتبران متكاملين حسب "فيكتور هيجو" الذي يقول : "ليس الشكل إلا )6()Delisle. 1997. p. الاهتمام اللازم 2.5 في إعادة التعبير وعليه، فتقنية النص المتخصص لن تخلو من حاجتها إلى إبداع المترجم أثناء الترجمة، مثل تلك التي نجدها في النص الأصل، الأمر الذي يتطلب من المترجم المتخصص إدراكا تاما للغة الأصل، وتفكيرا منطقيا سليما، حتى لا يبتعد عن معنى النص الحقيقي، ومنه عن هدفه. تتمثل مهارة المترجم في هذه المرحلة في إبقائه على الأثر نفسه في المتلقي دون الاهتمام بعدد كلمات النص ومفرداته بالإضافة إلى تحري الدقة والموضوعية في هذه المرحلة والتقيد بالنص الأصلي دون إضفاء الذاتية عليه حتى يكون النتاج نصا موازيا للنص المقصود وعليه، فإن المترجم يتقيد بمبدأ إظهار ما أظهره النص الأصلي وإخفاء ما تعمد إخفاءه ونجاح هذه العملية مرهون بعملية الفهم. عندما يتعذر عليه القيام بترجمة مباشرة، أي إعطاء مقابلات مفرداتية وتركيبية، فيلجأ إلى إبداعه الشخصي وذلك بخلق عبارات تحمل المعنى الأصلي نفسه، كما هو الحال بالنسبة إلى النص المالي مثلا الذي يحمل العديد من الاستعارات وضروب الجناس التلاعب حتى يركب المترجم نصه الجديد بالصياغة التي يراها مناسبة، وتختلف هذه الصياغة باختلاف الأشخاص، شأنها شأن الأسلوب، إلا أن الشرط الذي يجب احترامه هو عدم الابتعاد عن رؤية كاتب بالألفاظ). النص الأصل حتى يحافظ المترجم على وقع التأثير الأصلي )8()Hardin & Picot 169612( لدى المتلقي وتختلف درجة الإبداع من مترجم إلى آخر ومن نص إلى آخر، وفي بعض الأحيان من فقرة إلى أخرى في النص الواحد، إذ هناك فقرات تستدعي إبداعا أكثر من أخرى، فترجمة مقال صحفي مالي - على سبيل المثال تحتاج إلى إبداع المترجم حين يقوم الكاتب بوصف حال السوق الدولي مثلا، فنجد الكثير من الكنايات والتشبيهات والجناس، وهنا يبرز لنا بروزا واضحا، اختلاف درجة الإبداع لدى المترجم نفسه، وفي ترجمة النص الواحد، وتتجلى لنا الكيفية التي يتحدى بها المترجم )Hallal, 1982. p. اعتراضا فائقا، وذلك باستعمال ولعل صياغة النص، أو إعادة تركيبه بأسلوب آخر لن تظهر نتائجه ما لم يبدأ المترجم صياغته بأسلوب موحد من بداية النص إلى نهايته، فالترجمة الناجحة هي التي تجعل متلقي النص المترجم يحس كأنه بصدد قراءة نص أصلي بحيث إذا انتقل عبر مفرداته، وجمله، وفقراته من خلال القراءة لا تعترضه أخطاء ولا يشق عليه الفهم، وعند انتهائه من قراءة النص، فإنه يخرج بالانطباع نفسه، والتأثير ذاته كأنه قرأ النص بلغة المصدر. فالنص هو أولا وأخيرا موجه إلى الآخر، ذلك ما يستدعي الاهتمام بالقارئ، ومنه بات على المترجم الاهتمام بإثارته، وإشباع فضوله، ومخاطبة مستواه الثقافي والاجتماعي، ومراعاة الفوارق العلمية بين طبقات المجتمع المختلفة، فالقارئ عامل من العوامل المهمة كلما كان النص المتخصص قريبا من الإحصائيات والأرقام قلت درجة الإبداع في النص، وكلما اقترب النص من المقال الصحفي، أو التعليق على حوصلات لأعمال سنوية مثلا، زادت درجة الإبداع فيه، وهنا نلاحظ أن النص المتخصص، جدا في نجاح عملية الترجمة، أو فشلها. 6. حدود الإبداع في الترجمة المتخصصة فهو عامل مهم في مجال الترجمة المتخصصة أيضا. وبالقوة نفسها، فما عليه إلا استعمال الموارد اللغوية المفيدة على المترجم إذن أن يكون بارعا في اللغتين المصدر والهدف مدركا لهما تمام الإدراك و بصيغة أخرى، يجب أن يكون ثنائي اللغة، حتى يتسنى له التنقل من اللغة الأولى إلى اللغة الثانية والعكس بسهولة ومرونة، وإدراك خفايا النص الأصل ومنه الفهم الصحيح حتى يتمكن من القيام بترجمة دقيقة صحيحة، مما يتطلب أيضا معرفة نمط النص وموضوعه معرفة بحتة. نشير إلى أهمية توافر عامل "الذكاء" في المترجم فالعقل يأتي لإيضاح الإبهام في النص الأصل، ويساعد المترجم على التكيف مع طبيعة النص المترجم ( أوتيران، 2004 النص الطبي لا يترجمه إلا من كان خبيرا في الميدان الطبي، وإدراكها. فربما يتسنى للخبير بميدان المالية فهم النص وإدراكه بسهولة مقارنة بالمترجم، ذلك، لأنه سيلجأ إلى الترجمة الحرفية دون إلمامه بلغة الهدف، الترجمة، فيؤول نصه مبهما غير مفهوم. وقد لا نأتي بجديد إذا قلنا أن هذه الطبيعة هي التي تفرض منهجية معينة على المترجم فترجمة النصوص القانونية مثلا تختلف عن ترجمة الإعلانات والدعاية وترجمة النصوص الطبية تختلف عن ترجمة النصوص الاقتصادية و تعد هذه الظاهرة من أهم العوامل ولا يمكن للمترجم أن يكون موسوعة متنقلة، فمن المستحيل إدراكه كل المصطلحات الواردة في النص، ويرجع هذا العسر في الفهم إلى صعوبة المصطلحات التقنية التي يتضمنها الموضوع المتناول ولكن التكوين الجيد للمترجم يكفيه لمواجهة مختلف النصوص بما في ذلك النصوص المتخصصة. وهذا الكلام يعني أن المترجم إذا تلقى تكوينا جيدا يستطيع أن يترجم مختلف النصوص، شريطة أن يكون قادرا على القيام بما فلا يخفى على المتتبع لمسار المترجم المتخصص أن عمله محفوف بصعاب جمة، وذلك أثناء ترجمته النصوص المتخصصة، إذ على الرغم من ارتكازه على وسائل وطرائق عديدة إلا أن ذلك لا يمنع صعوبات كثيرة من اعتراض طريقه ، ومن هذا المنطلق وجب الإشارة إلى بعض هذه الصعاب، وندلل في الوقت نفسه من حدة هذه الصعوبات، وذلك بتحليلها لأن إدراكها يساهم في إيجاد طرائق التعامل المناسبة معها وإذا ما سلطنا الضوء على تكوين المترجم العام والمتخصص، نلاحظ أنه نفس التكوين في الأساس، يجب عليه أن يكون دقيق المعرفة والتمكن من اجتيازها وعلى المترجم أن يحسن التعامل مع هذا العامل الحساس، باختصاصه ولا أن يشتت معارفه بالانتقال من اختصاص إلى آخر. ولذلك فالترجمة المتخصصة تتطلب تكوينا خاصا ملما بكل جوانبها من لغة الاختصاص التي تتميز بالمختصرات والشعارات، ودرجة تقنية عالية ضف إلى ذلك المعاجم والمصطلحات المستعملة فيها إلى خصوصية النصوص وأنواعها ولا بد من الإشارة إلى أهمية القيام بتدريبات وسط الشركات وغيرها من المؤسسات التي تمكنه من التمرن على مزاولة الترجمة المتخصصة، إذ كلما زاد تدريب الفرد زادت نتائجه وتمكن من امتلاك نواصي الترجمة المتخصصة، فلا أحسن ولا أنفع من ممارسة الترجمة المتخصصة نفسها من أجل الإلمام بزمام أمورها ولا بأس من التذكير بأن هناك فكرة شائعة يؤيدها بعضهم ويخالفها آخرون، يدعو البعض إلى ضرورة تخصص المترجم في الميدان أو التخصص الذي يترجم فيه، لا يترجمه إلا المتخصص في الدراسات الاقتصادية المالية، وأن 11)، 1996, p. 204 يعلن المؤلفون أنه ليس لديه تضارب في المصالح. يتقن ويفهم ويدرك كل مصطلحات اللغة الأصل دون أي جهد كبير. غير أن هذا النوع من المترجمين كثيرا ما يتعاملون مع النص عن طريق الترجمة الحرفية التامة لإنتاج النص