ما كاد يدخل عتبة باب البيت حتى احتضنته أمه، يصيخون السمع إلى أن أقبل الليل. عنه، حتى تندفع إليه برغبة الحب، ما يبدو أنها تخفيه عنه. -بالطبع أقبل. آه. أيكون هذا هو السبب؟ أتهتم مهد حقا ً بهذا الذي يدور في المخيم؟ ولم لا؟ أيهتمون هم أيضا ً بهذا الاشتعال؟ ما كاد يسلم أمره للنوم، حتى يصحو، ثم يسحبه من وفى به الري صحا من نومه. تطلع إلى الجدار، لكن هاتفا ً بداخله ثم دسها في صدره، كان أقرب إلى الذهول. واصل مهما كانت النتيجة. بعض المنازل، تشابكت أزقة المخيم من علا الصياح فجأة و تردد "الصفير" من على أسط وجه صاحبها، تعطيه مقلاعاً، بطشت الحجارة تبين وجه صاحبتها، ابتسامة اغنته عن الحوار الذي عزم عليه، إلى أن المخيم، ونام تحت شجيراتها، لا يعرف للنوم مهجعاً، حتى كان يوم جاءته فيه مهد، معاً، حين أعلنت النبأ على أمه وجده، أطلقت الأم زغرودتها التي حبستها في صدرها أكثر من لسوق الصباح، ثم اقترب من عروس ابنه، ة إلى بيت أهلها، فاختلى بنفسه، ثمأخرج منه الساعة التي رافقته منذ هجرته الأولى، تأمل عقاربها التي تسير ببطء كعادتها، تذكر رف عصفور قلبه، فقد اعتقد أن اللحظة قد ثم أضاء سراج الزيت الذي رافق عمره، اندس في فراشه يراقب وجه القمر الذي لم يره طوال عمره مشرقا كمثل هذه الليلة، وما كاد ان حتى صحا على صوت دقات خفيفة، حتى علم ان الدق إنما كان على شب لكنه ما أن فتاك نافذته، ثم سأل بصوت خفيض مرتعش: -من؟ حتى كان الفتى يقفز من فوق السور، قبل أن يتم كلامه، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. كأنهما تنتظران منه الإجابة، فتدارك الأمر خوف أن يرتابا به، لحظة، أراك كلما تلفت حولي، من الذي يخفي أمرك عن الآخر؟ أتراهما قد أخفيا أمرك تعيش في مكان ما؟ أم أنك مجرد وهم؟ اخترعتك لأسد حاجتي إليك؟ أأنت رجل؟ اقصد كأي رجل؟ لا. فيملأ رئتيه بالرضا و ثم مزقها نتفا. وألقى بها وقال برفق: قال له وبدون -أريد ان أتزوج . ما ان سمع الشيخ هذه الكلمات حتى فاض وجهه بالبشر ثم قال: -ومن تكون غيرها؟ إنهاسميرة بالطبع. الشيخ يفهم الفتى، وطوالحياته كان في حضنه، حتى يفرج عنه همه، لكنه كان دائما يتمنى لو يظل يل لم يكن جده، -لا عليك يا بني، المهم أنتعد نفسك لليوم الذي انتظرته طوال حياتي، حيث سأرقص كما نذرت لله ، وبعد ذلك لن أتمنى سوى شيء واحد. لكن صوت جده صاح: مداها، وان تحسن مثواي، وان تتذكرني بالخير وتنقل سيرتي لابنائك وأحفادك من بعدك. ويسعد الملأ، لحظة تكون ما بين المغرب والعشاء، في ليلة من ليالي الربيع، يرتدون ثيابهم البيضاء، أهلهم، ويتركون وراءهم سربا من الحمام، يعود في الوقت إياه كل ليلة، وانهمرت دمعتاه من عينيه وصاح: -أطال الله في عمرك يا جدي حتى ترى أبنائي وأحفادي، وحتى ترىرايات الحرية تعلو فوق ثم أسدل الصمت عباءة الراحة على نفسيهما، يتهدده ما يتهدد كل الشباب، حيث ملاحق من سط ولن تراه أسابيع أو شهورا، وقد. ذهنها، طالما حلمت به، ذلك من إعداد ومن مصاريف، وعشرته ونظرته الراغبة, وما زلت أنت-وتطلعت إلى الجدار-تغوص في غياهب المجهول، تبتعد عنا، قبل أن يكمل الصمت ينيم هانيءالبال، طول الانتظار، -أي بني، سنوات طويلة وأنا أكتم همي، وأملنا وكل ما تبقى لنا, حتى بات يظن أنه وحده الذي يفكر فيك ، ولا كبدي الذي أنجبته ليأويعجزي ويعيل كهولتي، فيتشتت شملنا ويلقى بنا خارج وطننا ، فأية نفس يمكنها أن تحتمل ولكنت زوجا جحودا، وأبا قاسيا. نحتمل مشيئة الله في صبر ونواصل خط العائلة بأناة، ثم نستمر في الحياة ما استطعنا إليها سبيلا. وغاب؟؟ أم أنك إنسان مثلنا تحس وتشقى؟ أي بني، أأصلي عليك؟ أم أدعو الله لأجلك؟ أأزوًج الفتى دونك؟ فينجب لي حفيدا أم تجيء فتزفه بيديك؟ ويهدأ لحظة، فيخر فتطبق الظلمة من حوله، كل ما تتأكد منه نفسه، -أيها الشيخ وهون عليك. كما أردت، ثم أخذ يحدثه عن تلك السنين التي عاشها في الغربة، يحدثه عن رفاق الغربة، حتى كأن صوت ارتطام انتهى بفتحه، وبدخول مجموعة من الجنود، الذين انقضوا على الرجل وكبلوه بالحديد، ثم خرجوا به إلى حيث سيبقى الشيخ بعد ذلك يحمل كل ما اضافته الأيام الأخيرة من أعباء تنوء عن حملها الجبال، على كاهليه فيسير بقدمينلا تكادان تثبتان على الأرض، يسعى إلى رؤيته والحديث إليه من وراء القضبان ما تبقى له من أيام قبل أن يحتضنه الثرى الذي اغترب إليه، *** خيم الهدوء فجأة، وسكن الضجيج، وهمدت أهداب الفتية بعد أن أرقها السهر، ثم وصلت الازقة ما تقطع من أنفاسها، وتلاشت دوائر الدخان التي تحلقت في السماء، قدبسط كفه في لحظة نادرة، وضعت ذراعها في ذراعه والتصقت به إلى أبعد الحدود الممكنة، السماء، الأرض، كلكم واحد يا خالد. صدر السماء، يبقى شيء منا، أما نمضي نحن ويبقى هذا الخط الذي يحملنا، بل حتى مشاعرنا، أترين: بل حتى السماء لن تكون هي السماء، وبشر تفاجئهم اللحظة التي لا ترد، ولا يبقى سوى ذلك الوميض الذي يلمع فجأة، وأراني أسعى إليك برغبة متقدة وأكيدة، وكل ما أسعى إليه، لقد أرعبتني، -ما أود فعله، بل من أجل هذا الاشتعال. حين تكون دماؤنا أشبه بزيت لهذا والدم/ الزيت، وهكذا يستمر الحريق. وحفل تملأه ترى فيها جميع الناس يرقصون من أجلها. احتضنت وسادتها، بصدرها، حركة الانفعال تثير فيها الرغبة، فتمد يدها خلف رأسه وتغلق عينيها، فتذوب في حلاوة القبلة. تغطي رأسها، ثم تهوي في نوم أشبه بالموت. لم يفاجئهالاقتحام صباح يوم كان الاهم في حياته، على الرغم من قسوته، الغريب بهذه الفوهة، تواجه نبض هذا القلب الذي يرف كعصفور طالما تطلع إلى الأفق راغبابمستحيل الحياة، وحلم يقابله العبث، بحر وسماء تطبق على السماء. مجالا ً فسيحا ً أمام المخيم، وما زالت مهد بأنوثتها الطازجة تثير في نفسه ذكرى اللحظة التي مضت كومضة، تمنيه أن يعيش قرنا ً ولا يشبع منها، والبحر ممتد القدرة، لكنه عاجز عن أن يكون عشا ً صغيرا ً لعصفور يرتجف، عليه فجأة كف غليظة، لم تستطع كل رغبته العارمة بالحياة، أن توقف قسوتها ولاأن تمنعها من أن وأن تفرض السكون على جناحيه الصغيرين، ولا يحطان به على حافة الغدير، الحقول. تضيق الدنيا على رحابتها ولا تكون سوى قبضة كف غليظة تنطبق على صدره المجهري، وقد أخذت تركض وراء سيارة الجيب. في حضنها، تدير الندبة اتجاهها وتصوب الفوهة، فتحضن يترن وتتطلع بعينين مذعورتين إلى الأفق. حتى غامت الدنيا، وامتدت الدائرة السوداء تحت الأنف فملأتها، وطبعتا لون الدم الحار، في اندفاعته الأولى، حين تواجه صدور العصافير ندب المطاط، بعد أن يقذف بها فعل الانفجار. لكن أعقاب البنادق ردته إلى مكانه مصحوبا ً بآلامها التي خلفتها في زواياه المختلفة. دم حار ينفرج عن ابتسامةمقتضبة، يلوح كقرص الشمس الأزرق، يهرول نحوها. وهي ثابتة في مكانها، يمد يده، فتصرعه الأمواج التي يغالبها، فيتصبب عرقاً، تطوقه أذرعتها وتشل حركته اغلالها، فيمزق ثوبه الذي نسجته يد الآلهة من خيوط الضوء. الذي ما رأته عين ُ قط، ثم تثبت بأطرافه المسامير وتبدأ تدقها بمطرقة، على اللحم الطري، وحين يعلو الصوت، وتختفي في لحظة. اللحم المغتصب، فمنحتها الطراوة ورائحة الزنخ، حين يصحو، يستعيذ بالله من هذا الكابوس، الإسراع بتحديد يوم الزفاف. يتجمع أهل المخيم في ساحة الملعب، ترقص الصبايا ويلوح الشباب بنقافاتهم، ثم يطلقون واحدا ً وعشرين حجرا ً تحية لعروسي الانتفاضة. مع تتحرك الآليات من الثكنة الرابضة ككلب لتفرض حظر التجوال، فتصير ساحة الملعب في لحظة خاطفة ساحة قتال. خالد يجلس بفرح إلى جوار ملاك هبط قبل لحظة من السماء، يفر الملثمون وتنطلق البنادق بندباتها التي تحط كطيور الموت على الصدر المنتشي بالفرح، وبحرا ً من الدماء، صحا على عرسه، وجم البحر، بقس عابثة، واثقلت أعضاءه خدرة بدأت تطيوتها على الرغبة العارمة بالحياة. في حضرة الموت كانت فتملأ رائحة الدم الفائر تقبله، تتحسس جسده، وكأنها لم تنسكب على التراب، تتوتر أعصابها، تنتشي، كأنها الروح التي تحررت من كل القيود، وقد تشكلت تتحسس جسده، فيلتحمان يرتفع برغبتها إلى الذرى، فتشعر براحة لم تشعر بمثلها من قبل. كانت ليلة من نور، مدايات البحار، وكأن الوطن قد صار بقعة من زيت، وتتجول فيه مع رجلها ثم يعودون إلى بيت تغمره السعادة، تماما ً كومضة الضوء حتى تذوب في جبروتها، هكذا كانت ليلة مهد الوحيدة التي قضتها كزوجة. ومعهما المشيعون، ما زالت عروسا ً مخضبة أكفها ترتدي ثوبها الأبيض المزين بالبقع الحمراء، الحنون البري، وليس سواه يسير وإياها . ثمكان التراب يطوي فتى كان مغرما ً بالحياة. والمعلقة كطيف يباغتك فجأة، أو كحزمة من نور، بدت لها ملام يفتر الثغر عن ابتسامة،