ي كل لحظة من حياتنا الواعية يستمر تفكرينا، ويعمل عقلنا بلا انقطاع، ً ا» لا يمثل إلا قدر ً ا ضئيلا من هذا التفكري الذي يظل يعمل دون توتسري بطريقة أقرب إلى التلقائية والعفوية، بل إننا حني ننفرد بأنفسنا ونتصور ً ذلك شكلا َّ من أشكال التفكري، ومثل هذا التفكري الطليق غري املنظم سهل ومريح؛ ٍ ا ملجهود قُمنا به، ً «فاصلا ً » مريحا بني مراحل العمل العقلي الشاق. أما التفكري العلمي فمن أهم صفاته التنظيم؛ ونبذل جهد ً ا مقصودا من أجل ِّ تحقيق أفضل تخطيط ممكن للطريقة التي نفكر بها، ولكي نصل إلى هذا التنظيم يَنبغي َّ ب على كثري من عاداتنا اليومية الشائعة، وكلها أمور شاقة تحتاج إلى مران خاص، ً ولكن إذا كان العلم تنظيما لطريقة تفكرينا أو لأسلوب ممارستنا العقلية، في الوقت ذاته — تنظيم للعالَم الخارجي؛ أي إننا في العلم لا نقتصر على تنظيم حياتنا بل تنظيم العالم املحيط بنا أيضا؛ ذلك لأن هذا العالم مليء بالحوادث الوقائع التي تُ ً منفصلا من العالم أ في ميداننا الخاص. ِ نطبق ذلك على ميدان العلوم الإنسانية مثلما ينطبق على ميدان العلوم الطبيعية؛ ِّ فحني يؤلف املؤرخ كتابً ً ا في التاريخ — وليكن مثلا كتابًا عن تاريخ العالم العربي في القرن هي أن يختار — من بني الواقع شديد التعقيد — فحني يعود بذهنه إلى وقائع حياة أي إن عليه أن يُدخل ً التنظيم في واقع غري منظم أصلا، وتلك هي مهمة العلم. َّ على أن ِ التنظيم س ُ مة لا تبدو مقتصرة على العلم وحده، الواعي — الذي يهدف إلى تقديم تفسري للعلم — يتَّصف بنَ َّ وع من التنظيم. وحني تَفترض ذاتها تُحاول أن تُ وجود آلهة أو أرواح خفية وراء كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة، ٍ ابتداع هذه الكائنات الشخصية — إلى إيجاد شكل من أشكال التنظيم في الظواهر، وحني َّ الكون من أهم الأفكار التي دارت حولها الفلسفة اليونانية. بل إن نظرة اليونانيني إلى ً أساسا على فكرة التوافُ شيء فيه وظيفة لها معناها داخل الكل املنظم، الذي كان في صميمه تصورا آليٍّ ٍّ ا مضادا للغائية. أما في الفكر الديني َّ فإن فكرة النظام أساسية، ً النظام في الكون دليلا ً من أدلة وجود الله ومظهرا من مظاهر قدرته. وهكذا يستحيل تصور َّ وإذن ففكرة وجود «نظام» في العالم هي فكرة تتردد في كل محاولة لإيجاد تفسري للعالم، التنظيم الذي يقتضيه التفكري العلمي عن ذلك التنظيم الذي يَظهر في أنماط التفكري ُ املغايرة للعلم؟ َّ إن الاختلاف الأساسي في أن التنظيم — كما يقول به العلم — يخلقه العقل البشري ُ بعثه في العالم بفضل جهده املتواصل الدءوب في اكتساب املعرفة، على حني أن العالم — ُ ا لأنماط التفكري الأخرى — م َّ نظم بذاته؛ ففي التفكري الأسطوري وفي التفكري الفلسفي ً نجد النظام موجود َّ ا بالفعل في العالم، َّ منظم؛ ِ بتد ً ع مزيدا من النظام في مسار الحوادث العشوائي في العالم؛ َّ الكون املنظم — بالاختصار — هو نقطة النهاية التي يسعى العلم من أجل بلوغها، وليس نقطة بدايته. وبذلك نُميِّزه بوضوح عن أنواع املعرفة الأخرى التي تَ َّ إن املنهج هو العنصر الثابت في كل معرفة علمية، ُ تصل َّ إليها ففي تغري مستمر. فإذا عرفنا العلم من خلال نتائجه وإنجازاته كنا في هذه ِ رتك ٍ ز حينئذ ُ على أرض ص ُّ لبة؛ َّ غري أن القول بأن املنهج هو العنصر الثابت في العلم قد يُفْ إذ إن مناهج العلم متغرية بالفعل؛ ً أولا َّ تتغري َّ حسب العصور؛ فالكيمياء مثلا ً تزداد اعتماد ً ا على الأساليب الرياضية بعد أن كانت في بدايتها علما تجريبيٍّ ً ا خالصا لا شأن إذ إن املنهج املتَّبع في علم وهكذا لا يُمكن ومع ذلك يظل من الصحيح فالبحث العلمي هو بحث يَخضع لقواعد معينة، وليس بحثًا عشوائيٍّا متخبِّ ًطا، اعترافنا بأن هذه القواعد قابلة للتغيري باستمرار، فإن مبدأ الخضوع لقواعد منهجية هو صفة أساسية تُميِّز املعرفة العلمية. وعلى أيَّ َّ ة حال فقد استطاع العلم الحديث — بفضل جهود رواده الأوائل وإضافات العلماء اللاحقني — أن يُ ً طور لنفسه منهج ٍّ ا أصبح يرتبط إلى حد بعيد بالدراسة العلمية، ولعلَّه من املفيد — ونحن في معرض الكلام عن صفة التنظيم املنهجي في العلم — أن ِ نقول كلمة موجزة عن هذا املنهج، لا بوصفه املنهج الوحيد الذي يُ ُّ مكن تصوره للعلم،