الموجهات التشريعية للسلوك الإنساني اتجاه البيئة :ثمة جملة من الموجهات التشريعية التي تعتبر بمثابة مرجعيات يُسْتَمد منها السلوك الإنساني فيالتعامل مع البيئة يمكن أبراز أهمها في السطور التوالي :ا النصوص التشريعية: هنالك جملة من النصوص التشريعية تعدّ موجها أساسيا للسلوكالبشري نحو البيئة من خلال استثمار طاقات النص التشريعي إلى أقصى مداه وهذه النصوصالتشريعية يمكن ردها إلى عدة مجموعات منها: آيات الإستخلاف (۱) وردت في القرآن الكريم عدّة آيات تتحدث عن استخلافالله للإنسان في هذا الكون من مثل قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِخَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدَّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيأَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (۱) وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَليفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَبَعْضٍ دَرَجُتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَلَكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيم)(۳) وقوله عز وجل:هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)) فهذه الآيات وغيرها تدلعلى أن الله عز وجل استخلف الإنسان في هذا الكون ليعمره وفق إرادته وشرعه،الإستخلاف ألا يأتي الإنسان المستخلف من السلوكيات ما يفسد المستخلف فيه وهو الكونوخصوصا الأرض التي يعيش الإنسان على ظهرها لأن ذلك من مقتضيات الخلافة وأن أي سلوكبشري يعتبر تعديا على البيئة وافسادا لها يناقض هذا الإستخلاف.۲. مجموعة النصوص التشريعية التي تنهى عن الفساد في الأرض من مثل قوله سبحانهوتعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ الدُّ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدُ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ()وقوله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَالْمُحْسِنِينَ) (1) إلى غير ذلك من الآيات الناهية عن الفساد والإفساد في الأرض،هذه الآيات إفساد البيئة بتلويثها والإستنزاف الجائر المصادر الثروة فيها والإخلال بتوازنها،ذلك يعتبر من الفساد والإفساد الذي نهى عنه الله عز وجل.٣. مجموعة النصوص التشريعية التي يمتنّ الله فيها على عباده بتسخير ما في الكون عموماوما في الأرض خصوصا لخدمة الإنسان ونفعه من مثل قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَوَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (۱) ،وتعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَمَّا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَىالْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢) وقال عز وجل: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُممن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَاوَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (۳)،موجها للسلوك البشري نحو البيئة من خلال ما يفهم منها من ضرورة عدم افساد منة الله سبحانهوتعالى بالتعدي على البيئة وإفسادها وأن الانتفاع الأمثل والدائم بهذا التسخير يستلزم بقاءالإنتفاع بالكون عموما وبالأرض خصوصا واستمراريته البقاء وتلك الإستمرارية لا تتأتي في ظلسلوكيات خاطئة وغير مسؤولة تضر بالبيئة وتعصف باستمرارية الإنتفاع بها. مجموعة من الآيات القرآنية الداعية إلى التفكر في خلق السماوات والأرض (1) من مثلقوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِرَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) () وقوله عز وجل: (وَفِي الْأَرْضِ أَيَاتٌلِلْمُوقِنِينَ) (۱) وقوله سبحانه وتعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُالنَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (۳) فهذه الآيات وغيرها فيها لفت إلى أهمية الكونعموما والأرض خصوصا ولا تتضمن الآيات المذكورة الدعوة إلى التفكر والاعتبار فحسب بل إنهاتتضمن دعوة بطريق غير مباشر إلى عدم افساد صنع الله وخلقه بالسلوكيات الخاطئة وغيرالمسؤولة اتجاه البيئة ومكوناتها.ب المصالح المرسلة: وهي المصالح التي لم يتعرض لها الشرع بالإعتبار أو الإبطال (۱) حيثتعتبر المصالح موجها أساسيا للسلوك الإنساني اتجاه البيئة؛جلب المصالح وتعظيمها ودرئ المفاسد وتقليلها (۲) فلا شك أن المحافظة على البيئة صالحة ونقيةمن أعظم المصالح العاجلة والآجلة كي تتمكن الأجيال الحاضرة والقادمة من الإنتفاع بالبيئةومكوناتها بالشكل الذي اراده الله سبحانه وتعالى وأن إفساد البيئة بشتى انواع الملوثات لهي منأعظم المفاسد التي سعت الشريعة إلى درئها وتقليلها.ج سد الذرائع: يعتبر سد الذرائع من الأصول التشريعية المهمة التي يمكن أن يستمد منهاالسلوك الأمثل اتجاه البيئة ومكوناتها، ويتلخص مفهوم سد الذرائع بتحريم أي فعل أو قول أوتصرف يؤدي إلى ما هو محرم ولو كان هذا القول أو التصرف أو الفعل مباحا في ذاته (۳)،على ذلك فإن أي نشاط انساني يضر بالبيئة ويخل بالتوازن الذي جعله الله بين عناصرهاومكوناتها يعتبر محرما لإفضاءه إلى ما هو محرم وهو الإفساد للبيئة ومكوناتها ولو كان هذا النشاطفي أصله مباحا إذ يصبح - في هذه الحالة - محرما لغيره وبذلك يصبح مبدأ سد الذرائع مصدراً ثراوغنيا في الحكم على التصرفات والأنشطة البشرية اتجاه البيئة.د. مقاصد الشريعة المقاصد الشريعة دور كبير في توجيه النشاط الإنساني ولا شك أنالمحافظة على البيئة تعتبر من المقاصد الضرورية في الشريعة الإسلامية؛التي لا بد منها في قيام مصالح الدارين،"حفظ الدين والنفس والعقل والنسل "والمال والتي ثبتت بالاستقراء والتنصيص في كل أمةوملة، وفي كل زمان ومكان (۱) وفقد هذه الكليات الضرورية يؤدي إلى عدم استقامة الحياة وإلىشيوع الفوضى والاضطراب (۲) ومعلوم أن مفسدات البيئة تتسبب في ظواهر كونية مضطربةكظاهرة التسخين الحراري وظاهرة تهتك طبقة الأوزون والظواهر المناخية المرتبطة بالعواصف بالإضافة إلى حيث تدخل في نتيجة تسربالأشعة الضارة ونتيجة انتشار الأدخنة والأبخرة السامة التي تقذفها مداخل المصانع والطائراتوالمركبات بأنواعها مما يتسبب في أمراض مختلفة كالسرطان بأنواعه كما تدخل في حفظ المالثروات الناس ومصادر دخلهم السياسة الشرعية: وتتمثل في القيام على شأن الرعية من قبل ولاتهم بما يصلحهم منالأمر والنهي والإرشاد والتهذيب، وما يحتاج إليه ذلك من وضع تنظيمات أو ترتيبات إدارية تؤدي ودفع المضار والشرور أو الأمورالمنافية. (١) ويمكن للسياسة الشرعية أن تلعب دورا كبيرا ومهما في المحافظة على البيئة من خلالتلك القوانين عقوبات وغرامات مالية اتجاه أي سلوك مضر بالبيئة أو بعض عناصرها،البيئة وحمايتها.۲)، وو العرف هو كل قول وفعل وترك اعتاد عليه الناس ) ،سن الأنظمة والتعليمات التي تصبح بعد سنها والعمل بها عرفا صالحا وصحيحا يستند إليهخلالفي حماية البيئة.على البرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (۳) ولا يقتصر الأمر بالتعاون على المسلمينبالتعاون الدولي، حيث يشرع هذا النوع من التعاون في المصالح المشتركة بين الدول سواء أكانتتلك الدول مسلمة أم غير مسلمة، ولا شك أن المحافظة على البيئة وحمايتها يعدان من أعظمالمصالح المشتركة بين الدول والشعوب قاطبة؛ لأن مصلحة المحافظة على البيئة وحمايتها ليستقاصرة على دولة أو شعب بعينه وإنما هي مصلحة مشتركة عامة لجميع الدول والشعوب.