إن تناول الخطاب القرآني للقضية على هذا النحو المتكرر يعنى أنها كانت حاضرة حضورًا حادًا فى هذا الواقع القديم، فكيف ادعى العرب أن القرآن شعر، وهم ليسوا من السذاجة التي تدفعهم إلى تبنى هذه الاستراتيجية في مواجهة الخطاب القرآني و الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفى عنه 2"؟!. ليس هناك تفسير يمكن قبوله في هذا السياق إلا أنهم قد أدركوا - على نحو من الأنحاء أنه من الممكن أن يحتمل الأداء النثري بعض خواص الشعرية دون حاجة إلى حضور الجينات الوراثية المركزية (الوزن والقافية)؛ إذ إننا لو قمنا بإحصاء لبعض الآيات القرآنية التي جاءتموزونة لما مثلت ظاهرة يمكن اعتمادها في تبنى الادعاء بشعرية القرآن، عن أن دخولها منطقة (الوزن) جاء دون قصد، مما يعني أن الادعاء لم يرتبط بقوانين العروض، وهى قوانين كانت حاضرة في الوعى العربي دون أن تأخذ مؤشراتها الاصطلاحية التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي بعد ذلك.ويلاحظ أن ابن وهب يذهب إلى عدم ربط الوزن والقافية بالشاعرية، فالشاعر هو من شعر يشعر فهو شاعر والمصدر الشعر، وإن كان يأتي بكلام موزون مقفى(3).واللافت أن الباقلاني - وهو بصدد نفى الشعر عن القرآن - يقدم نموذجا نثريًا يجرح قانون السكون والحركة، لكنه يصوغه كتابيًا على نحو شعرى،والحركات، فإن خرج عن ذلك لم يكن موزونا كقوله: تمسكا منى بالـــــــود ولا أحسبه يزهد في ذي أمـــل تمسكا منى بالـــــود ولا أحسبه يغير العهــــــــد ولا بحول عنه أبدا نخاب فيه أملى أن النموذج قد اهتزت فيه قاعدة التردد المنتظم للحركات والسكنات، لكن يلاحظ أن الباقلاني قال: إنه خرج على قيود الوزن،وواضحيقل إنه خرج على قانون الشعرية. ويكاد الباقلاني يقبل خلاص الشعرية من قانون العروض على نحو من الأنحاء؛ وأن ما جاء به ،شعر لكنه يحمله على معنى أن رسول الله : " يشعر بما لا يشعر به غيره من الصنعة اللطيفة فى نظم الكلام. أو يكون محمولاً على ما كان يطلق الفلاسفة على حكمائهم وأهل الفطنة منهم في وصفهم إياهم بالشعر؛ لدقة نظرهم فى وجوه الكلام، وطرق لهم في المنطق". وكأنه من الجائز أن نطلق لقب (الشاعر ) على من توافرت فيه بعض المواصفات: الشعور الخاص المفارق لشعور الآخرين.2 طرق التفكير الخاصة.الصنعة اللطيفة في نظم الكلام.ملاقة النظر في وجوه هذا الكلام ومجموع هذه المواصفات يحقق الربط بين الداخل النفسي والعقلى وبين الخارج الصياغى بعيدا عن قانون (العروض). فمن توافرت فيه هذه الخواص يمكن أن نطلق عليه لقب الشاعر)، وما أنتجه في إطار هذه الخواص يمكن اعتباره (شعرًا) على نحو من الأنحاء. نقول ذلك وفى وعينا أن الرسول (ص) لم يحدد للشعرية إلا ثلاثة شروط: الجزالة - السياق الخاص والعام - الهدف التأثيرى، وذلك في قوله "الشعر كلام من كلام العرب جزل تتكلم به في نوادها وتسلّ به الضغائن بينها".برغم ما قدمه التراث النقدى عن الفروق بين الشعر والنثر، فإن الفارق الجوهري يتمثل فى الوزن والقافية أى (العروض).