س : أفلا تُسلم معي أن الناس يتجرَّدون من الأشياء الحسنة بدون اختيارهم، لكنهم باختيارهم ورغبتهم يهجرون الأشياء الرديَّة؟ أوَليس شرًّا مُستطيرًا أن لا يكون الإنسان صادقًا حين يصف الأمور بما هي عليه؟ وأرى أن المرء يترك الآراء السديدة بغير اختياره. س : أوَلا يحصل ذلك بالسرقة أو الرقية أو الإرغام؟ س : أخشى أني أتكلم كلامًا غامضًا ككلام المأساة، فإني أعني بمن سُرقت أفكارهم الذين ضلوا أو نسوا يقينهم؛ لأن الحجة سرقتهم في الحال الأول، فأظن أنك فهمت. س : والذين أُرغموا هم الذين تغيرت آراؤهم بالآلام والأمراض. غ : وهذا أيضًا فهمته، س : والذين رقوا أظن أنك تقول هم الذين أغرتهم المسرَّات، س : فكما قلت الساعة يجب أن ننشد أفضل الحكام ذوي الاقتناع الداخلي بأنهم يجب أن يفعلوا ما يحسبونه أفضل لمصلحة الدولة، فنعطيهم من الأعمال ما يسحر الناس عادةً ويقودهم إلى النسيان. فمن غلب هواه عوامل ضلاله وغلبت ذاكرته بواعث النسيان فإيَّاه نختار للحكم، ومن لم يكن كذلك نبذناه قصيًّا. س : وعلينا أن نمتحنهم بالأعمال والآلام ونرقب خوضهم معمعانها لنرى ظاهرات صفاتهم. غ : بالصواب هكذا. س : ونمتحنهم ثالثةً بالنوع الخلَّاب ونرقُب تصرُّفَهم، وذلك كتعريض المهاري للصيحات والضجَّات لتبيُّن جبنها، هكذا نمتحن الشبان بالمروِّعات ثم بالمسرَّات، ونمتحنهم ولا امتحان الذهب بالنار؛ لنرى أَصَلْبٌ عودهم في كل الأحوال فلا يخدعهم التدجيل؟ فتثبت كياسة تصرفهم حسن الإدارة لأنفسهم وللموسيقى التي ثقفوها، مُبرهنين في كل حادثة على محافظتهم على قوانين اللحن والإيقاع، ساعين جهدهم ليكونوا أعظم النافعين لأنفسهم وللدولة، فمن جاز الامتحان المرة بعد المرة حدثًا وشابًّا وكهلًا، فهو الذي نختاره حاكمًا ومديرًا، ويُخوَّل أعظم الامتيازات بمراسم الجنازة والذكريات بعدها. هذا هو يا غلوكون النمط الأفضل لاختيار حُكَّامنا الذين مرَّ بك وصفهم مختصرًا دون تدقيق. س : أوَحقًّا تسمية هؤلاء «بالحُكَّام الكاملين» لاتِّصافهم بالعناية والسهر حتى لا يريد أصحابهم في الوطن ولا يقدر أعداؤهم في الخارج أن يُحدثوا أدنى ضرر للدولة؟ والشبان الذين دعوناهم الساعة حُكَّامًا نسميهم «مساعدين»، أفيمكننا أن نخلق وسيلة حكيمة نتمكن بها من تمثيل دور وهمي، بل قصة فينيقية تداولتها ألسنة الشعراء، فنحتاج إلى حيلةٍ نافذة لإقناعهم. غ : أرى أنك تتردد في الإفصاح. س : وسترى ترددي طبيعيًّا متى أخبرتك إيَّاها. ولا أدري بأية جرأة وأي إيضاح أوردها. فأولًا: أحاول إقناع الحكام أنفسهم، وفي حقيقة الأمر أنهم هذبوا وثقفوا في جوف الأرض حيث طبعوا أسلحتهم وأدواتهم وكمل تهذيبهم، وحين ذلك ولدتهم أمهم الحقيقية، أي إنها قذفت بهم إلى سطحها، فيجب أن يهتموا بالمنطقة التي هم فيها كأمٍّ ومرضع، غ : ولسببٍ كافٍ كنت تخشى أن تورد هذه الخزعبلة. س : فسمعًا لبقية القصة: سنخبر شعبنا بلغة ميثولوجية: كلكم إخوان في الوطنية، ولكن الإله الذي جبلكم وضع في طينة بعضكم ذهبًا ليُمكِّنهم أن يكونوا حُكَّامًا، فهؤلاء هم الأكثر احترامًا، وفي العتيدين أن يكونوا زراعًا وعمالًا، فالأولاد يمثلون والديهم، على أنه قد يلد الذهب فضة، وقد أودع الحكام من الله قبل كل شيء وفوق كل شيء هذه الوصية: أن يَخُصُّوا أولادهم بالعناية ليروا أي هذه المعادن في نفوسهم، فإذا ولد الحكام ولدًا ممزوجًا معدنه بنحاس أو حديد فلا يشفقنَّ والدوه عليه، فيكون زارعًا أو عاملًا، وإذا ولد العمال أولادًا ثبت بعد الحك أن فيهم ذهبًا أو فضةً وجب رفعهم إلى منصة الأحكام، أصحاب الذهب حُكامًا، ولقد جاء في القول الحكيم: أن المدينة التي يحكمها النحاس والحديد فهي إلى البوار. فهل عندك من حيلة لإقناعهم بهذه الخزعبلة؟ غ : لا حيلة في إقناع أبناء هذا الزمان، على أنني سأبتدع حيلة تقنع أبناءهم وأحفادهم وكل الأجيال التالية بصحة هذه الأسطورة. س : وحتى هذه تفيد في جعلهم أكثر اهتمامًا بالدولة وبعضهم بالبعض الآخر، ولكنَّا سنترك الأسطورة إلى ما قضي به عليها، وإذا تقلدنا زمام أبناء هذه الأرض فلنَقُدهم إلى الأمام بإدارة قوادهم، ومتى بلغوا المدينة اختاروا فيها محلة تمكنهم من حفظ النظام، فيُجلون عنها الأهالي ويحلون محلهم، ثم يضربون خيامهم فيها ويقدمون الذبائح للآلهة المحلية، وبعد ذلك يعدون مواقع مبيتهم. س : ويلزم أن تكون تلك الخيام كافلة وقايتهم من تأثير الإقليم صيفًا وشتاءً. فيظهر أنك تعني بها أن تكون بيوتًا لا خيامًا، غ : فما الفرق بين هذه وتلك؟ فإن من أفظع أعمال الرعاة وأدعاها إلى الخزي في الرعية أن كلابهم التي ربوها لحراسة القطيع تهجم على الأغنام، فتكون ذئابًا لا كلابًا حارسة. س : أفلا يلزم الاحتياط لئلَّا يفعل مساعدو حكامنا هكذا بالأهلين لأنهم أقوى منهم، فيصيرون وحوشًا ضارية بدل كونهم حلفاء صادقين؟ س : أوَلا يتسلَّحون بأفضل ضمان إذا تهذبوا تهذيبًا حسنًا؟ س : ليس من الضرورة يا عزيزي غلوكون الوقوف عند هذه النقطة، ولكن الأمر الأجدر بأعظم أهمية هو الإصرار على ما قُلناه، وهو أنه يجب أن يُهذَّبوا تهذيبًا صحيحًا مهما يكن من أمرهم، إذا أُريد بهم الحصول على أعظم مؤهلاتهم للحنان واللطف نحو رفاقهم ونحو الذين يحكمونهم. س : علاوة على ذلك التهذيب فإن الرجل الحكيم يقول: يجب أن تكون بيوتهم مما لا يحول دون كونهم حُكَّامًا كاملين، ولا تمكنهم من الإضرار بالآخرين. س : فاعتبر الرأي التالي: أيوافق حياتهم وسكنهم إذا أريد أن يكونوا على ما ذكرت من الأوصاف الأمور التالية؟(١) أن لا يتملَّك أحدهم عقارًا خاصًّا ما دام ذلك في الإمكان. ٢) ولا يكون لأحدهم مخزن أو مسكن يحظر دخوله على الراغبين، فليكونوا في أسمى ما يتطلبه الأعِفَّاء الشجعان المدربون تدريبًا حربيًّا، بحيث لا يحتاجون في آخر العام ولا يستفضلون، ولتكن لهم موائد مشتركة كما في ثكنات الجنود، وأن يخبروا أن الآلهة ذخرت في نفوسهم ذهبًا وفضة سماويِّين، فلا حاجة فيهم إلى الركاز الترابي، وعيب عليهم أن يدنسوا بصناعة الآلهة السامية بمزجها بالذهب الفاني؛ فهم وحدهم من بين كل رجال المدينة مستثنون من مس الفضة والذهب، فلا يدخلونهما تحت سقفهم ولا يحملونهما ولا يشربون بكئوس صيغت منهما، وبذلك يصونون أنفسهم ودولتهم. لكنهم إذا امتلكوا أراضي وبيوتًا ومالًا ملكًا خاصًّا، صاروا مالكين وزراعًا عوض كونهم حكامًا، فيصيرون سادةً مكروهين لا حلفاء محبوبين، ففي حالٍ كهذه يُسرعون بالدولة إلى الدمار. هل نُبرم ما قرَّرناه في مصير حُكَّامنا بالنظر إلى بيوتهم وغيرها، ونربط ذلك بأحكام الدستور أم لا؟