حسن السياسة وإقامة المملكةكتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه بسيرته. ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلدت الخراج الموفر لأمانته. وقسمت لكل خصم من نفسي قسماً، أعطيه حظاً من لطيف عنايتي ونظري. وصرفت السيف إلى النطف المسيء، والثواب إلى المحسن البريء، فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب.والبناء ما لم يكن له أس فمهدوم، وعطيتك لأهل الجهاد، وبشرك لأهل الدين وسرك لمن عناه ما عناك من ذوي العقول.وقالت الحكماء مما يجب على السلطان أن يلتزمه العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه، وفي ضميره لإقامة أمر دينه. فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان ومدار السياسة كلها على العدل والإنصاف، ولا يدور إلا عليهما، مع ترتيب الأمور مراتبها وإنزالها منازلها. وينبغي لمن كان سلطاناً أن يقيم على نفسه حجة الرعية، ومن كان رعية أن يقيم على نفسه حجة السلطان. وليكن حكمه على غيره مثل حكمه على نفسه. وإنما يعرف حقوق الأشياء من يعرف مبلغ حدودها ومواقع أقدارها. ولا يكون أحد سلطان حتى يكون قبل ذلك رعية. ولا يصلح له منكم إلا من كان له سيف مسلول، ومال مبذول وعدل تطمئن إليه القلوب.ووصف بعض الملوك سياسته فقال: لم أهزل في وعد ولا وعيد ولا أمر ولا نهي، ولا عاقبت للغضب واستكفيت، وعممت بالقوت، ومنعت الفضولوذكر أعرابي أمير فقال: كان إذا ولي لم يطابق بين جفونه، وأرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم شاهد معهم،وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يصلح لهذا الأمر إلا اللين من غير ضعف، القوي من غير عنف. واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها، واحتمال هفوات الصنائع.وكتب أرسطوطاليس إلى الإسكندر أن املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، فإن طلبك ذلك منها بإحسانك هو أدوم بقاء منه باعتسافك. وأعلم أن تقول قدرت على أن تفعل، وأحكم بالعدل لا بالرضا، ولا ينام إلا على الرضا، ويتناول ما فوقه من تحته.وقال معاوية: إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا مدوها أرخيتها،