يركز فوكو في كتاباته على التحول من المجتمعات التقليدية إلى المجتمعات الصناعية الحديثة، مُسلّطاً الضوء على علاقة المعرفة العلمية المفترضة بأنماط التنظيم الاجتماعي الحديث، وصيغ السلطة المتعددة. يُبرز تحليله النقدي بشكل فريد الشرط التاريخي لظهور العلوم الإنسانية الحديثة كجزء من تكنولوجيا السلطة في المجتمع الرأسمالي، باعتبارها شبكة من إجراءات انضباطية تهدف للسيطرة عبر تراكم المعرفة العلمية في أجهزة تعليمية، وعسكرية، وعقابية، وصناعية، وطبية؛ بهدف تدريب الأفراد وإعادة تربيتهم وصياغة مدركاتهم وذاكرتهم. هذا الانتقال استلزم تحولاً من سلطة تقليدية إلى انضباط ذاتي، حيث لم تكن مبادئ العلوم الإنسانية انعكاساً للعلوم الطبيعية، بل سمات لتشكيل الفردية عبر تقنيات تفكيك الجماعة إلى وحدات وعناصر، مُحولة الأفعال إلى حركات، والمساحات إلى وحدات قابلة للملاحظة. فهو يُنزل الطابع العلمي من التجرد والموضوعية إلى ممارسة واقعية تشمل تقنيات تصنع فرداً جاهزاً للانخراط في الآلية الاجتماعية. نشأ فكر فوكو في بيئة ثقافية نقدية للتاريخ والإنسانية، مُتبنياً مسلّمات فلسفية منهجية، مُعتبرًا المعارف والعلوم خطاباً ذا قواعد خاصة، قابلاً للدراسة كظاهرة مستقلة. أولى فوكو أهمية خاصة لتحليل الخطاب، مُشكّلاً إياه من منطوقات تُشكل التشكيلات الخطابية. كما تناول فوكو قضايا منهجية في التاريخ، كتشكيل مجموعات الوثائق، وتحديد مستوى التحليل، ومنهج المعالجة، مُحرراً التاريخ من فلسفته التقليدية. أفكاره تُركز على الحفر في الواقع وتفكيكه تفكيكاً موضعياً شاملاً، بقراءة لحظات حاسمة من تاريخ الفكر الغربي، مُظهراً الخلفيات المعرفية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية للعلاقة بين الفرد والمجتمع. كما اهتم بالحاجات المفهومية ومعرفة الظروف التاريخية لفهم وضع تاريخي معين، ودرس تطور الحرب والمؤسسات العسكرية، وتطور الجنون في المجتمع، مُساهماً في إلقاء الضوء على تجارب الجنون والإجرام. أبحاثه تُعتبر تحليلاً مهماً في القرن العشرين، معارضًا للفكر الجدلي، متأثراً بالفكر التحليلي المعاصر، ساعياً لتقويض الأنساق الميتافيزيقية. أهمية فوكو تكمن في كونه نقطة التقاء بين التوجهات المعرفية المعاصرة.