واضعاً يده على ذقنه يتفرج باهتمام بالغ على مشروعات العلم والدعوة والثقافة والحقوق تتسابق فعالياتها بين ناظريه . هو يعرف أسماءها جيداً . وفي أيام مضت تواصل مع بعض رجالات الإنتاج في هذه المشروعات . بل له الآن علاقات طيبة مع بعضهم . وبحوزته أيضاً رقم الهاتف الخاص لبعضهم . كما أن أحدهم دعاه يوماً لمجلس ضم بعض هؤلاء المنتجين . بل هو لا يزال يتذكر أنه أرسل لبعضهم رسالة جوال أو بريد إلكتروني ورد عليه. لكنه إلى الآن ليس جزءاً من أي مشروع . ولم يبدأ الخطوة الثانية في أي حلم سبق أن فتح له ملفاً في جهازه المحمول. الذي تململت من جلوسه مدرّجات المتفرجين. الإنسان المترقب قد يكون يرفل في ربيع العمر ويحرق سنواته الذهبية بلا مبالاة من يشعل سيجارة لصديق وضع يده على جيبه ولم يجد ولاعته. وأخذ ينفث الزمن في الهواء . كان يتابع الجدل والردود المتبادلة ونقائض التيارات عبر المنتديات الإلكترونية، ثم صار اليوم يتابعها عبر شبكات التواصل، الإنسان المترقب قد يكون في المسجد يراجع حفظاً أو يذكر الله . فتنسلّ يده لجواله وينقر أيقونة شبكات التواصل . أتى إلى المسجد لتغتذي روحه العطشى لذكر الله . لكنه دخل المحراب بجسده ثم قذف بروحه في العراء خارج الأسوار. هل هذا يعني أن الإنسان المترقب هو كائن معزول الإحساس بالزمن؟ هل المترقب عديم الأحلام والطموحات؟ لا، بل هو يتحرّق كثيراً ويتمنى أن يصنع شيئاً لنفسه وللآخرين، ولكنه واقف كالمشلول . لماذا؟ المترقب ذاته لا يدري . حين يكون المترقِّب في مجلس ذكر عن قيام الليل تشتعل همته للمناجاة في هزيع السحر، وحين يكون المترقب يستمع لدرس عن فضل العلم ومناقب المعرفة يكاد يمضغ ذاته حماسةً ويتخيل نفسه قد حبس عليه غرفته بين أرفف مكتبته . لكن ما إن يتجاوز لهيب الحماسة حتى يتبدد كل شيء ويعود لذات برنامجه اليومي في التفرج على المنتجين. لدى المترقب مشكلة يمكن تسميتها مشكلة "ترحيل المهام" فحين كان المترقب في المرحلة الثانوية كان يحدّث نفسه بأنه إذا انتقل للجامعة وصار له استقلال وحرية أكبر فسيبدأ مشروعات علمية وعملية . ولما بدأ الدراسة الجامعية صار يقول لنفسه متى ينتهي ضغط المذكرات والبحوث وتحضير المحاضرات والاختبارات وتبدأ مرحلة المهنة وأتفرغ لمشروعاتي العلمية والعملية؟! وهو يقولها صادق، ولما بدأت مرحلة المهنة أصبح يقول لنفسه بعدما أنتهي من هم الزواج والمسكن والاستقرار المادي سأبدأ بإذن الله تنفيذ خططي وأحلامي العلمية والعملية، ثم انخرط في مسؤوليات الأسرة والأبناء ومتطلبات المهنة، حتى طوّح به العمر خارج الموسم الذهبي للإنتاج، وصار يقول لنفسه ذهب وقت التحصيل والبناء "وهل يصلح العطّار ما أفسد الدهر". وهكذا أحرق المترقِّب عمره عبر آلية "ترحيل المهام". يشتكي البعض ويقول أن شبكات التواصل أو تصفح الانترنت جذّاب ويشغلني عن مشروعات علمية كثيرة، ربما يكون هذا الكلام يتضمن توصيفاً دقيقاً للمشكلة، رأيي أن كثيراً من الملهيات عن العلم والعمل ليست جذابة أصلاً، وإنما هي في حقيقتها وسيلة "هروب نفسي" عن المهام الواجبة . ألا ترى أنك أيام الاختبارات تدع المذكرات وتقرأ بعض الكتب التي كنت منشغلاً عنها خارج الاختبارات؟ ألا ترى أنك إذا بدأت بكتاب في علم معين، صارت نفسك تحدثك بمطالعة كتاب في علم آخر لم تكن لتطالعه قبل ذلك؟ صحيح أن حالة التفرج والترقب هذه فيروس خطر يهدد حياة كل واحد منا، لكن الشاب الذي يعيش المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي هي في حقه أفظع وأكثر خطورة، فقد أصبح كالمزارع الذي نام على البذور حتى فات الموسم . فالمرحلة الذهبية للتحصيل العلمي هي مرحلة الذروة في قوة الملكات . وكيف نتقلب في أيامه، ثم رأى قسم الله سبحانه بهذا الزمن (والعصر) امتلأ قلبه بإدراك شرف "الزمن" . وأنه في كل ثانية ودقيقة وساعة ينفق من (رصيد زمني) منحه الله إياه وكتبه الملك حين كان جنيناً عمره أربعة أشهر. لا شيء ساكن في حياتك . أنت في كل لحظة تنفق من رصيدك الزمني . فإما أن تشتري به علماً وعملاً رابحاً . أو يذهب في الترقب والتفرج في صفقة خاسرة . ومن الظواهر المثيرة للغرابة فعلاً، أن أزمة المترقب لم تعد مقتصرة على إحراق الوقت في متابعة الجدليات والمناقضات عبر شبكات التواصل، بل أصبحت مثل هذه المماحكات التويترية مادةً للحديث في بعض مجالس الأخيار، رد فلان على فلان بتغريدة قوية، يا ضيعة الأعمار. وبثور في ذوقه، وترهل قدراته الذهنية؛ تزامنت مع متغيرات نظم الاتصالات الحديثة. ففي بداية فتوّة المترقب كان يحضر بعض الدروس المتخصصة ويقرأ بعض الكتب الراقية في لغتها ومحتواها . وأدمنها، كثرت تبعاً لذلك قراءته للتلفظات السوقية والمخاشنات الحوارية. واستسهل من النابيات ماكان يشمئز منه. وهذا غير دقيق، فنمط المادة المقروءة ونوعها إذا كثر يؤثر في القارئ دون أن يشعر حتى لو لم يكن مقتنعاً بها، ولذلك قال أبو العباس ابن تيمية (من أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم، لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير هذا كثير)[الاقتضاء:1/543] وكما كانوا يقولون للمسافر للخارج "احذر المرأة الأولى والكأس الأول"، فما أقرب أن يقال للمنخرط في شبكات التواصل "احذر الشتيمة الأولى"، تساهلوا مرة في رد خشن، ثم تبعها أمثالها، وذهب الحاجز بينهم وبين هذه الأساليب، وصرت إذا ناقشته في أسلوبه الجديد قال لي "هناك أناس لا يفهمون إلا هذه اللغة" فانظر كيف وقع في سلوك جديد شرعنه لنفسه لم يكن ليقع فيه مسبقاً بسبب كثرة جلوسه في طرقات شبكات التواصل وتعرضه المستمر لتدفق ردود بمستوى هابط. بل كثير من القوانين التي تجري على القدرات البدنية تجري ذاتها على القدرات الذهنية، ومنها قانون (اللياقة)، فعضلات الجسم تترهل وتضمر إذا لم يمارس الإنسان التمارين البدنية، وهكذا القدرات الذهنية تضمر وتضعف إذا لم يمارس العقل المران الذهني العميق، ولذلك كان لفظ الرياضة في التراث الإسلامي يشمل ثلاثة مستويات: البدن والذهن والنفس، كما يقول ابن تيمية في الرد على المنطقيين (لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع: "رياضة الأبدان" بالحركة والمشي، و"رياضة النفوس" بالأخلاق الحسنة، و"رياضة الأذهان" بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة). وكانت رياضة الذهن وتمرينه وبناء القدرات العقلية مسألة حاضرة لدى المتقدمين من السلف كما قال ابن تيمية في كتابه السابق ذاته (كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور: لشحذ الذهن). وصار زاده المعرفي تغريدات أفقية، وطالت هذه الحال، ضمرت قدراته الذهنية، بل يتطور الأمر إلى حالة أخطر، أنا ناصح لك، وأحب الخير لك،