الفصل الثالث: حركة الإصلاح الديني الحركات المرتبطة بالإصلاح اللوثري أو بالسلطة أو بالمصلحة المادية، وهذا ما وقع ما مارتن لوثر؛ ووقعت مصادمات أريقت فيها الدماء، وسوف نتناول هذه الحركات بشيء من التفصيل كالآتي: وقد ظهرت في سكسونيا عام ١٥٢١ على يد جماعة متطرفة من أنصار لوثر، حيث يجب أن تتوافر في المعمودية أركان الحياة الدينية الصحيحية من توبة، وإيمان، ولجأوا إلى أعمال العنف، ۲) حركة الفرسان Knights كان الفرسان يمثلون طبقة قوية في العصور الوسطى، حيث لم يستطعيوا مواكبة تطور أساليب الحرب والقتال؛ ولذلك فقدوا كثيرها من امتيازتهم، ووجدوا في الحركة اللوثرية فرصة لاسترداد نفوذهم، فقام أتباعهم بالهجوم على الكنائس، وحطموا ما فيها من تماثيل وقاموا في نفس الوقت بالاستيلاء على أملاكها وأراضيها، وأما الكنيسة الكاثوليكية فتكتفي برش الماء على الوجه. حتى يبقوا هذه الممتلكات في أيدي الكنيسة إن كان هؤلاء الأمراء من الكاثوليك، أو الاستيلاء عليها لأنفسهم إن كانوا من أمراء الحركة اللوثرية، وقد قتل فون سيكنجن في إحدى المعارك بينما هرب فون هتن إلى سويسرا عام ١٥٢٣ وظل بها حتى وفاته. ۳) حرب الفلاحين Peasants War وهي سلسلة من الثورات التي قام بها الفلاحون في عامي ١٥٢٤ و ١٥٢٥ ، ثم انتشرت في الجنوب الغربي من ألمانيا، مطالبين بإبراز الدليل من الإنجيل على أنهم أرقاء، وقالوا: "لن نكون بعد اليوم عبيدا لأن المسيح جعلنا أحرارًا". فسقطت مدن مهمة في أيديهم ولكن مارتن لوثر استنكر ثورة الفلاحين؛ فخرج من مخبئه يؤلب النبلاء على الفلاحين ويدعوهم لمقاوتهم، وترتب على موقفه أن اجتمعت قوة النبلاء والفرسان ضد الفلاحين؛ ونجحوا في القضاء عليهم في موقعة فرانكينها وسن Frankenhausen في مايو ١٥٢٥ ، وهنا نلحظ أن مارتن لوثر وقف ضد هذه الحركات الثلاث؛ لأنّه كان يرغب أن تظل حركته الإصلاحية دينية مجردة، دون ارتباط أو تعرض للظروف الاجتماعية والاقتصادية ولكنه أسلم زمام الأمر بهذه الطريقة في ألمانيا للأمراء، وبشكل يدعم سلطاتهم في إمارتهم ويزيد مكاسبهم على حساب السلطة والممتلكات العقارية الكنسية؛ فظلت قاعدة الأهالي العريضة التي اعتنقت مذهبه دون حل لمشاكلها الاجتماعية والاقتصادية، إذ أعطى كل حكومة أن تعيش وتحكم وتسلك المسلك الذي سوف تسأل عنه أمام الله وأمام الإمبراطور، وفي عام ١٥٢٩ عقد الإمبراطور مجلس آخر سبير، ونبه على ضرورة منع إقامة كنائس للوثريين في أي مكان من ألمانيا، وقد احتج معظم الحاضرين من اللوثرين، وأعلنوا ما يلي: but hold the resolution null and not binding" "إننا في اجتماعنا هذا نحتج على هذا القرار، ونعلن أننا لن نستجيب لندئه، ونعتبره لاغيا، ومن هنا سمي أتباع مارتن لوثر "protestants = بروتستانت" أي المحتجين؛ تلك التسمية التي لم تلبث أن شلمت سائر المذاهب المسيحية غير الكاثوليكية في أوربا. وأصبح الأمر أكثر خطورة حين اتحدث القوى الكاثوليكية في ألمانيا، وكونت حلف نورمبرج Nuremberg League في عام ١٥٣٩ ؛ وحاول الإمبراطور القضاء على الانقسام وتقريب وجهات النظر ولكن دون جدوى. ودفن في كنيسة القلعة في ويتنبرج، وترأس صلاة الجنازة عليه عدد من أصدقائه. وتجدر الإشارة إلى أن المذهب اللوثري قد انتشر في ألمانيا الشمالية والجنوبية في حياة مارتن لوثر، ثم في إنجلترا التي توطدت دعائم الإصلاح الديني فيها على أسس لوثرية في جوها، كما انتشر في الدنمرك والسويد، والنرويج هذا، واعتماد لوثر على مساعدة الأمراء مما جعل السواد الأعظم من الناس ينفون من حوله، وعدم اهتمام لوثر بتحديد العقيدة الجديد وتعريفها، وعزوفه عن نشرها 65]يني ونهاية فلا ريب أنّ مارتن لوثر بحركته الإصلاحية صار من الشخصيات التي أثرت في تاريخ البشرية. ظلت الخلافات قائمة بين الكاثوليك والبروتستانت من بعد وفاة لوثر حتى تمت المصالحة الدينية في ألمانيا بينهما على أساس التوفيق والاعتراف بأن الانقسام موجود، طبقا لصلح أو جز برج، والذي قرر الآتي: وأصبح لكل أمير الحق في أن يحدد في إمارته شكل الكنيسة ونوعها، دون تدخل من جانب الإمبراطور أو الدايت. ٢ - الحرية الدينية للإمارات اللوثرية، وتعهد الإمبراطور والمنتخبون والأمراء بأن يتركوا الولايات البروتستانتية تؤدي شعائرها بكل حرية، وبألا يتعرضوا لهم بأي أذي، كما قرر أيضًا أن يحترم الأمراء البروتستانت والحرية الدينية للولايات الكاثوليكية. الاعتراف بالمذهب اللوثري فقط، وبذلك لم يعترف بمذهبي المصلحين الآخرين مثل: كلفن، وزونجلي. ه تبقى الأراضي التي اغتصبت من الكنيسة الكاثوليكية قبل عام ١٥٥٢ في يد مغتصبيها، فقد كان كسبا عظيمًا للأولين؛ ولم تظهر نقطة ضعفه إلا في مطلع القرن السابع عشر ؛ ثالثا - حركة الإصلاح الديني الكاثوليكي المضاد. هو الإصلاح الذي قامت به الكنيسة Counter- Reformation الإصلاح المضاد الكاثوليكية بعد انتشار المذاهب البروتستانتية في أوربا، وخروج حوالي نصف سكان أوربا عن تبعية كنيسة روما - كما ذُكِرَ آنفًا - وكان الإصلاح الكاثوليكي يهدف إلى تطهير الكنيسة مما لحق بها من ضروب الفساد في أنظمتها، وأفعال رجالها، ومن دونه من جميع فئات رجال الدين؛ أي إصلاح الرأس والأعضاء، وحرص الإصلاح ألا يؤدي إلى إضعاف سلطة البابا، وتجنب إدخال تغييرات أساسية في العقيدة. وسوف نتناول كل واحدة منها في الآتي: وأول محاولة فعلية لإصلاح بعض مفاسد الكنيسة. قام بالدعوة إليه البابا بول الثالث III ١٥٣ - ١٥٤٩)، واختار وقد انعقدت أولى جلساته في شهر نوفمبر ١٥٤٢؛ كثيرا من الكرادلة الإيطاليين، شارل وملك فرنسا؛ فأجله البابا؛ وبلغت جلساته خمسة وعشرين، كان آخرها في شهر ديسمبر ١٥٦٣. وانقسمت قرارات مجلس ترنت إلى قسمين: وله السطلة العليا في الكنيسة الكاثوليكية، ونبه على ضرورة استعمال اللغة اللاتينية في الصلاة، وتحريم زواج ثلاثين سنة، وإنشاء مدارس لتعليم رجال الدين. ثانيهما - العقيدة الكاثوليكية حيث حدد موقف الكنيسة من سر الشكر، وعارض عقيدة التبرير بالإيمان اللوثرية، ورفض الاعتماد على الكتاب المقدس وحده؛ لأن هناك تقاليد قديمة يجب مراعاتها، وقرر أن نسخة الكتاب المقدس المعتمدة هي النسخة وهكذا حدّد مجلس ترنت التعاليم الكاثوليكة ومصادرها، كما وضع نظاما للكنيسة يقلل من أخطائها، ولم يحسم النزاع القائم بين البروتستانت والكاثوليك، ٢ - اليسوعيون أو الجزويت Jesuits والوقوف ضد البروتستانت، ويرجع الفضل في تأسيس هذه الجماعة إلى إجناتيوس ليولا Ignatius Loyola (١٤٩١-١٥٥٦)، وهو من أصل إسباني، وطاف على المدن المهمة وانتهى به المطاف في باريس، وعرضوا خدماتهم على البابا، وهناك عملوا في الوعظ والخطابة والإرشاد بأمر البابوية، وفي عام ١٥٤١ انتخب إجناتيوس ليولا رئيسا لجماعة اليسوعيين (الجزويت)، وبتكريس حياتهم لخدمة الكنيسة، وكان نظامهم عسكريا صارمًا. رأى اليسوعيون أن البروتستانت قد كسبوا على حساب الكاثوليكية نتيجة لجهل عدد كبير من القساوسة الكاثوليك؛ حتى يتمكنوا من الحصول على عدد من الأعضاء لهم مستوى رفيع يمكنهم أن يقوموا بنشر التعليم بين الأهالي في كل مكان بعد ذلك، وقد اشتهرت مدارس اليسوعيين بدقتها وحزم إدارتها، وسيرها على نظم تعليمية سليمة؛ الأمر الذي أدى إلى زيادة الإقبال عليها، وما أن انتهى القرن السادس عشر حتى كان اليسوعيون يسيطرون على التعليم الكاثوليكي في جميع أنحاء أوربا، ومن المدارس الصغيرة حتى الجامعات. ولليسوعيين فضل كبير على الكنيسة الكاثوليكية؛ كما أدّت جهودهم إلى وقف المد البروتستانتي في فرنسا، ومناطق الهابسبورج، وقووا مركز الكاثوليكية في إنجلترا والمناطق الإسكندنافية، 68]الفهرس Index وهي الكتب التي تتناول كافة مسائل الهراطقة من الخارجين عن الكنيسة الكاثوليكية، وكتب المصلحين البروتستانت. وقد وضع البابا بول الرابع Paul IV (١٥٥٥ - ١٥٥٩) في سنة ١٥٥٩ أو فهرس للكتب المحرمة، مثل لوثر، وزونجلي وكلفن،