كيف فَهِم أرسطو الموسيقى في عصره؟ ما الّذي أراده حين تناول موضوع الموسيقى في نصٍّ أو كتابٍ؟ ينحصرُ اهتمامنا بهذا الموضوع في مسالتين، الأولى: محاولة فهم تأثيره على أدبيّات الموسيقى اللاّحقة عند العرب بعد أن ترجموا نصوصه إلى العربيّة، وفحص تداعياته في الثّقافة الموسيقيّة العربيّة عبر قراءةٍ معمّقة. المسألة الثّانية: محاولة البناء على هذا الفهم، واستخلاص الفائدة من الرّبط بين ما تمّ تأسيسه في الماضي الإغريقيّ والعربيّ وارتداده على الثّقافة الإنسانيّة، وبين ما يمكن أن نؤسّس له اليوم من هذه المسافة، بعد هذه الهُوّة الزّمنيّة وما تكدّس فيها من تراكمات حضاريّة وتشويهات وشطبٍ وتغييرٍ وانزياح وتحوير، من العسير بمكان ضبط مفاتيح “عقل” أرسطو وفهم عصره كما هو، قد لا يرقى إلى نظريّة، لكن لنؤسّس لفهما ما قد يُضيء لنا في هذه العتمة الّتي ولّدها الإهمالُ الطّويل. ولا يبقى لنا كذلك سوى أن نكتفي بما قاله عبد الرّحمن بدوي حين قال: “… إنّ الشّعوب والأفراد لا يهمّها أن تعرف أرسطو كما كان في واقع التّاريخ بقدر ما يعنيها أن تدركه كم تريد لها حاسّتُها التّاريخيّة المُنبثقة من روح الحضارة الّتي تنتسب هي إليها…”[2]، وتمامًا كما فعل العلماء العرب من قبلنا، من هنا، وهو ما جاء في الفصل الأخير من كتابه “السّياسة”، ويَخبر حرفتَها. ولا نعرف لماذا لم تكن الموسيقى من ضمن المواضيع الّتي اهتمّ بها تلاميذه الأوائل، ثمّ وريثه التّالي أرسطاطون اللميساكيّ Στράτων ὁ Λαμψακηνός، كما يبدو، لكن فيما تجلّى همّه الأكبر، في نصوص أرسطو يتجلّى الهمّ التّربوي والأخلاقي فوق كلّ شيءٍ آخر. ومنذ البداية، انصبَّ اهتمامه في السّؤال عن غاية الموسيقى، وعمّا إذا كانت الموسيقى موجودة لأجل الخير أم لا. وهو سؤال أخلاقيّ ووظيفيّ في آنٍ معًا. ثمّ يتابع ويتساءل إذا ما كان النّاس يلجؤون إليها في مسعى للّهْوِ والتّرويح عن النّفس كما يلجؤون إلى السّبات وشرب الخمر، 4] أم “هل يجب بالأحرى أن يعتبر المرء أنّ الموسيقى تحمل بعض الشّيء على الفضيلة، إذ تُعوّد على التّمكن من الانصراف إلى السّرور انصرافًا قويمًا”. 5] وفي سعيه للإجابة، وهل غاية اللّهو تكفي لتبرر كلّ هذا العناء؟[6] إذن، وتلقي بظلالها على مكانة الموسيقي ذاتها في المجتمع: “إنّ […] الإله زيوس[7] نفسه، في عرف الشّعراء، بل إنّنا نستصغر قدر المغنين والعازفين، ونعتقد أنّ المرء لا يعمد إلى الغناء والعزف إلاّ لاعبًا أو ثملًا”[8]. من هذه الأسئلة ينتقل أرسطو إلى السّؤال حول ما إذا كان للموسيقى من محلٍّ في الثّقافة، وهو ما يتحدّث عنه في مقالته التّالية. وذلك لأنّها تقوم على “اللّياقة” و “اللذّة” في آنٍ معًا، 9] وهو لا يكون في المرء دون جهدٍ ومثابرةٍ، يميّز بين لذّة اللّهو والتّرويح: فيجب تحصيله لا لأجل لذّة اللّهو فقط، بل لأنّ الموسيقى صالحة للتّرويح عن النّفس أيضًا، على ما يبدو”. 10] ولذا تستطيب استخدامها جدًا كلّ الأعمار وكلّ الأمزجة والأخلاق”[11]. وهنا، وهل نكتسب بالموسيقى بعض المزايا الخُلقيّة؟ ولكن، في مقالة بعنوان “أرسطو والموسيقى بوصفها تمثيلًا”[12]، يتعرّض جوران سوربوم ( Sörbo) إلى مسألة تأثير الموسيقى على الشّخصيّة (character) أو المزاج (disposition) ثمّ يستخدم تعبير (روح الشّعب) (ethos)، ذاكرًا منها على سبيل المثال: “الاهتياج”، “الاعتدال”، “القوّة” و”الشّهوانيّة”: 13] وفيما يتفحّص أرسطو الأثر الأخلاقي الممكن للموسيقى على الإنسان والمجتمع، تتكشّف لنا أهمّ صفة تميّز نوع الموسيقى الّتي يتحدّث عنها، ففي هذا التّوصيف بالذّات تتراجع “الموسيقى” أمام النّصّ الشّعريّ الكلاميّ، وتتصّدر “الأغنيّة” الاهتمام على حساب الموسيقى الصّرف بمكونها الإيقاعيّ (الزّمن) ومكوّنها اللّحنيّ (الصّوت) دون إمكانيّة الفصل بينهما. وذلك على مستوى الأنواع الموسيقيّة (الجانرات)، وعلى مستوى الأثر الأخلاقيّ/ النّفسيّ، هذا، ويتكشّف هنا أمرٌ غاية في الأهميّة كذلك، وهو التّأكيد على التّأثير النّفسيّ الخُلقيّ للموسيقى على الجموع، إنّنا لا نزال بصدد موسيقى تخاطب الجماعة لا الأفراد، فتلك الأغاني تُهيِّجُ في النّفوس نشوة الطّرب والحماسة. بصرف النّظر عن الأوزان نفسها أو الغناء. ”[14] لكنّ أرسطو، في مساره هذا، يتوصّل إلى أهمّ استنتاج عنده، وهو أنّ الموسيقى فعل مُحاكاة. وحين يتحدّث عن الموسيقى في هذا السّياق، نجده يستخدم تعبيرَيْ: الغناء والإيقاع تحديدًا، من حيث هُما، ”[15] وهو لا يجد هذه المحاكاة إلّا في الغناء، أو المحسوس السّمعيّ، وهي بالتّالي ليست محاكاة للأخلاق بل إشاراتٌ لها وحسب. وفي هذه المرحلة يتطرّق أرسطو (كما فعل الفارابي والكندي وإخوان الصّفا وابن سينا وغيرهم لاحقًا) إلى الأثر النّفسيّ المُتَضَمَّن في النّغمات (ويقصد المقامات) ويُسمّي بعضَها مثل “الدّوري” الّذي يُشعرنا بالاعتدال، وحين يتحدّث عرضًا عن موسيقى لا غنائيّة، فإنّه يستخدم تعبيرًا واحدًا محدّدًا هو “الأنغام المُسترسلة” (ويقصد فيها الارتجالات الشّاطحة الّتي لا تخضع إلى بُنى هندسيّة وأشكال محدّدة) وهو نوعٌ موسيقيٌّ عرفته الثّقافة والممارسة الموسيقيّة داخل الفضاء العربيّ فيما بعد وحتّى يومنا هذا. يُحيلنا حديث أرسطو عن المُحاكاة إلى التّمثيل (representation) مباشرةً، وهو تمثيلٌ مُضاعفٌ للصُّور والمُحاكَياتِ؛ فهناك الصّورة الّتي تُمثّل القطعة الموسيقيّة في الذّهن من حيث هي نظامٌ من الأنغام والأوزان وكلّ ما تتكوّن منه الموسيقى، وهناك الصّورة الّتي ليست هي القطعة الموسيقيّة بعينها، 18] الفصل السّادس من كتاب أرسطو في الفصل السّادس يتحدّث أرسطو عن “آلات الطّرب وتعلّم الموسيقى”، ويؤكّد على ضرورة تعلّم العزف على الآلات وعدم الاكتفاء بالغناء وحده في سبيل تهذيب المهارات الموسيقيّة، دون الحاجة بالضّرورة إلى الاحتراف: “بما أنّ المساهمة في الأعمال [الموسيقيّة] غايتها إبداء الرّأي، فُرضَ من ثمّ أن يتعلّم الأولاد استخدام آلات الطّرب أحداثًا، على أن يعتزلوا استخدامها كبارًا؛ لأنّهم يمسّون إذ ذاك قادرين على إبداء رأيهم فيما جَمُلَ من العزف،