مذاهب العلماء في حجية الاستحسان :- رغم ما ذكرناه - في تحرير محل النزاع من تحرير محل النزاع من أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه يصلح محلا للنزاع فلقد تباعد القول في حجيته وعدمها، فمن قائل : إنه تسعة أعشار العلم ، ومن قائل : من استحسن فقد شرع . وسنعرض لآراء المذاهب في هذا ثم نذكر ما استدل به كل من القائلين بحجيته والمبطلين لهقال الشيخ أبو زهرة في كتابه أبو حنيفة: أكثر أبو حنيفة الاستحسان وكان فيه الايجارى ، حتى لقد قال فيه محمد رضي الله عنه : إن أصحابه كانوا ينازعونه المقاييس ، فإذا قال : أستحسن لم يلحق به أحد . ولقد كان يقيس ما استقام له القياس ولم يقبح ، فإذا قبح القياس ، استحسن ولاحظ تعامل الناسوهذه الحقيقة التي يذكرها الشيخ أبو زهرة لا تحتاج إلى كثير عناء لإثباتها فجميع كتب الأصول تذكر : أن الحنفية يقولون بالاستحسان، وخدمة للموضوع فلقد تصفحت كتاب الهداية للمرغيناني الذي يعتبر عمدة في المذهب الحنفي - وأحصيت المسائل الاستحسانية فيه، فإذا بها بضع وسبعون ومائة مسألة ، وهذا يكفي للقول بأن الحنفية : أول من يقول بالاستحسان ، بل المشهور أنهم - هم وحدهم - الذين يقولون به ، كما تذكر أكثر كتب الأصولقال الشاطبي : إن الاستحسان يراه معتبراً في الأحكام مالك وأبو حنيفة . وقال بل قد جاء عن مالك أن الاستحسان تسعة أعشار العلم ، ورواه أصبغ عن ابن القاسم عن مالك ، قال أصبغ في الاستحسان : قد يكون أغلب من القياس ،فهذه النصوص صريحة في أن مالكاً وأصحابه رحمهم الله تعالى قد أخذوا بالاستحسان وأكثروا منه.قال الشيخ أبو زهرة في كتابه مالك: تضافرت المصادر التي تثبت أن مالكا رضي الله عنه كان يأخذ بالاستحسان ، فالقرافي يذكر : أنه كان يفتي على مقتضى الاستحسان أحياناً ، ويقول فيه : قال به مالك رحمه الله في عدة مسائل في تضمين الصناع المؤثرين في الأعيان بصنعتهم ،وتجدر الإشارة هنا إلى : أن ما يريده المالكية من الاستحسان ليس هو عين ما يريده الحنفية، ويتضح ذلك الأمثلة من التي ذكرها القرافي مع ما سبق بيانه عند الكلام عن تعريف الاستحسان وتحرير محل النزاع فيه.بل إن هذه المسائل التي ذكرها القرافي هي من أبرز المسائل المعتمد فيها على الاستصلاح عندهم3-الحنابلة :تذكر بعض كتب الأصول : أن الحنابلة يقولون بالاستحسان كما يقول به الحنفية ، ذكر ذلك الآمدي وابن الحاجب .جاء في الإحكام للآمدي: وقد اختلف فيه : فقال به أصحاب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل ،وجاء في مختصر ابن الحاجب: الاستحسان قال به الحنفية والحنابلة وأنكره غيرهمالاستحسان قال به أبو حنيفة ، خلاف منهم قول ابن الحاجب : قال به الحنفية والحنابلة.وأما الشافعية - وعلى رأسهم إمامهم الشافعي رحمه تعالى - فالمشهور عنهم أنهم لا يقولون به ، بل شددوا النكير على من اعتبره حجة في استنباط الأحكام ولا أدل على ذلك من قول الشافعي المشهور: من استحسن فقد شرعوقال في الأم: وكل ما وصفت - مع ما أنا ذاكر ، وساكـت عنه اكتفاء بما ذكرت منه عما لم أذكر من حكم الله ، ثم حكم المسلمين - دليل على أن لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكماً، أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم ، ولا يجوز له أن يحكم ولا يفتي بالاستحسان ، إذ لم يكن الاستحسان واجباً ولا في واحد من هذه المعانيوقال أيضاً بعد ذكره أدلة على بطلان الاستحسان: وكل أمر الله جل ذكره - وأشباه لهذا- تدل على إباحة القياس وحظر أن يعمل بخلافه من الاستحسانوجاء في الرسالة: فهل تجيز أنت أن يقول الرجل أستحسن بغير قياس ؟ .