يُعدّ الفساد من الظواهر الاجتماعية المعقدة التي شغلت اهتمام الباحثين في مختلف فروع العلوم الاجتماعية والإنسانية، نظراً لتعدد أشكاله وتداخل أسبابه وآثاره، فضلاً عن ارتباطه بمختلف مجالات الحياة العامة، ولا سيما المجال الإداري والسياسي والاقتصادي. ولم يعد من الممكن النظر إلى الفساد باعتباره مجرد سلوك فردي منحرف يصدر عن شخص يسعى إلى تحقيق منفعة خاصة، بل أصبح يُدرس باعتباره ظاهرة قد تتجاوز حدود الفرد لتترسخ داخل العلاقات الاجتماعية والمؤسسات، وتتحول في بعض الحالات إلى ممارسة متكررة تحكمها أعراف غير رسمية وشبكات مصالح وأنماط سلوكية تتعارض مع القواعد القانونية والأخلاقية المعلنة. تبرز أهمية المقاربة السوسيولوجية التي لا تقتصر على تحديد الأفعال المجرّمة والعقوبات المقررة لها، وإنما تتوسع في دراسة الظروف الاجتماعية والمؤسساتية التي تسمح بظهور السلوك الفاسد واستمراره وانتشاره. فهي تهتم بتحليل العلاقة بين القواعد الرسمية وغير الرسمية، وتأثير العلاقات الاجتماعية والثقافة التنظيمية وتوزيع السلطة وآليات الرقابة في إنتاج الفساد أو الحد منه. فإن التحليل السوسيولوجي لا يلغي المقاربة القانونية، وإنما يوسع نطاقها من خلال البحث في الأسباب والبيئات التي تجعل السلوك الفاسد ممكناً ومتكرراً.وتزداد خطورة الظاهرة عندما تتجاوز الممارسة الفاسدة حدود السلوك الفردي لتصبح أمراً مألوفاً داخل التنظيمات والمؤسسات، بحيث يجري تبريرها أو التساهل معها أو نقلها إلى الأفراد الجدد باعتبارها جزءاً من طريقة العمل المعتادة. وينعكس ذلك سلباً على الثقة الاجتماعية في المؤسسات، ويضعف شرعيتها وقدرتها على أداء وظائفها وتحقيق المصلحة العامة.