الشوارع والطرق هي عصب التخطيط الحضري منذ فجر التاريخ، تعكس مستوى الحضارات وخصائصها الثقافية، وتُعد أساسًا لتصنيف المدن. نشأت المدن غالبًا من تقاطعات طرق القوافل التجارية، التي اجتذبت السكان ونمت لتصبح مراكز حضرية محاطة بأسوار. تؤكد الدراسات الاجتماعية والأثرية على أهمية النقل والاتصالات في نمو المدن، حيث يمثل هيكل الاتصال أساسًا لتقييم ثقافتها، وتظهر طرق قديمة مثل مرمدة بني سلامة (5000 ق.م) تنظيمًا اجتماعيًا وسياسيًا متقدمًا. الرمز المصري القديم للمدينة، بدائرة يقطعها شارعان، يبرز مركزية الشوارع. في الحضارات القديمة، كانت الشوارع ذات أهمية بالغة: في مصر القديمة، خططت المدن بشوارع مستقيمة ومنظمة تتقاطع عرضيًا، كما في مدن العمال مثل خنتكاوس وكاهون وتل العمارنة، وتم تصنيف الطرق (كممرات للمواثيق الدينية أو للملك أو للعامة)، مما يدل على تخطيط مسبق. المدن الإغريقية، متأثرة بتخطيط هيبوداموس، طورت نظام الشوارع الشبكي المتعامد الذي يربط أجزاء المدينة حول سوق مركزي، مثل الإسكندرية. أما المدن الرومانية، فتميزت بتخطيط قائم على شارعين رئيسيين متعامدين، الكاردو (شمال-جنوب) والديكومانوس (شرق-غرب)، لتشكيل شبكة شطرنجية تعكس سلطة عسكرية، كما في تيمغاد. تؤكد هذه النماذج على أهمية دراسة تخطيط الشوارع في المدينة الإسلامية كحلقة أساسية في التطور الحضري، تُبرز أصالة الحضارة الإسلامية المتأثرة بقيم الدين الحنيف. فشوارع المدينة الإسلامية تمثل جوهر تخطيطها المادي، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمنشآتها، وتتأثر بعوامل متعددة بالإضافة إلى العوامل الجغرافية: 1. **نظام التحصين والأسوار:** أثر في مقاييس واتجاهات الشوارع (كالقاهرة وبغداد). كما أثر في تصميم بوابات المدن، التي روعي في ارتفاعها مرور الفارس أو راكب الجمل (وفق الفقه الإسلامي)، ووفرت حماية حربية متقدمة كالأبراج والسقاطات والتخطيط المتدرج والالتفاف الإجباري للعدو، مع الحفاظ على سهولة المرور. 2. **ضيق المساحة:** أدى في المدن المسورة إلى الاستغلال المكثف للأرض، من خلال البناء الرأسي، وضيق الشوارع الجانبية، والاعتماد على الأفنية الداخلية للتهوية والإضاءة، وامتداد المباني بالرواشن. كذلك، وُضعت المرافق الكبيرة كالمقابر ومصليات العيد وميادين الاستعراض خارج الأسوار، متصلة بالداخل عبر الشوارع الرئيسة والبوابات. 3. **تأمين الحاكم والرعية:** تجلى في وجود أنفاق تربط القصور أو المدن بالخارج، وربط القلاع بالمدن، إضافة إلى تخطيط الشوارع الفرعية والدروب التي تُغلق للسيطرة على الأحياء في أوقات الاضطرابات، كنموذج بغداد. 4. **المسجد الجامع:** كان محورًا رئيسًا في تخطيط المدينة الإسلامية، وموقعه المركزي فرض توجيه الشوارع الرئيسة إليه، مؤثرًا بذلك على الشبكة الكاملة للشوارع والأزقة، وهو ما لوحظ في المدينة المنورة ومدن الأمصار كالبصرة والفسطاط وغيرها من المدن الإسلامية الناشئة والمفتوحة.