فما وجدت أمتع من الخلوة بكتاب، فإن الميل إلى المطالعة والرغبة فيها هي أجودها. فهو يدخل المطعم ليختار طعام الوليمة، والطالب يذوق في الثانوية لقمة من لون التاريخ، ليرى ما ترغب فيه نفسه ويميل إليه طبعه فيُقبل عليه، فليتعود الطلاب المطالعة، كالتي ترجمها المنفلوطي أو الزيات، ثم ينتقلون من القصص إلى كتب الأدب، وكتاب كليلة ودمنة) لابن المقفع. أنا العقاد مثلا أعرف أنه قرأ أكثر منها. أما العلماء المتقدمون فمنهم من بلغت مؤلفاته، فقراءة كتاب قصير مع الفهم والتدبر خير من كتاب كبير بلا فهم ولا تدبر . من يوم أتقنت القراءة، وأنا أقرأ، وأكثر ما أولعت به التاريخ، مع أني لم أكتبها لهم، فليخصص منه كل شهر جزءًا لشراء الكتب، على أن يحسن اختيار ما يشتري، يجد أنه لم يكمل دراسته حتى صارت عنده مكتبة صغيرة. وما هو مشة لذيذ ولكن لا يضر ولا يفيد ومنها ما هو سمٌ ولكنه قد يكون ملفوفا بغشاء من السكر، فمن انخدع بحلاوة هذا النوع وأكله تلوّث فكره! وأيضا من أكل كل ما يجده – يخلط به الحلو والحامض والحار والبارد – أصابته التخمة وسوء الهضم. وليسأل من يثق به من المدرسين والعلماء. فالمدرس الذي يقتصر على ما تعلمه في فترة الدراسة، لأن العلوم كلها قد نقلت حفظا ، ومنهم الغزالي الذي يقول: من أساتذتي الذين استفدت منهم قاطع طريق خرج علينا مرة فأخذ كل ما في القافلة، وأخذ تعليقتي. قال: فجعلت أتوسل إليه وأقول: أنا لا آسف على مال ولا متاع، ولكن تعليقتي قال له: وما تعليقتك؟ قال الغزالي: دفتر فيه علمي كله. لئلا يذهب إن ذهب الكتاب. سألني أحدهم فقال إنه مدرس أديب يتذوق القراءة، لأني وجدت شخصا يحب القراءة ويجد فيها لذة، فأصبح القارئ العفيف كأنه سابح ضد تيار الماء. قد يقول قائل، فكيف تزعم أن ميله إلى النوم دليل على عدم رغبته فيها؟ وجوابنا هو أن النفس الإنسانية أمرها شديد العجب فهي تُبدي خلاف ما تُبطن وتصدر عنها أفعال تباين ما يشعر به صاحبها وعلى هذا الأساس يسهل علينا تفسير هذه الظاهرة التي يذكرها صاحبنا، من القراءة، لا لعلة في العين، بل لشدة الإجهاد العقلي في القراءة والرغبة اللاشعورية في الابتعاد عنها. والحق أن القراءة ليست شيئا في طبيعة البشر، والأصل في التفاهم بين الناس السمع لا البصر، فالألفاظ التي يتألف منها الكلام تنتقل من الفم إلى الأذن، وكثرت الكتب، أفواه العلماء. الكتب - وقاك الله شرها - فيها منافع وفيها مضار، ومن منافعها أن العلم ينتقل إليك في دارك فتطلع على آرائه وأنت مضطجع، ومن مضارها أنها كالجثة الهامدة لا حياة فيها، ولذلك كان الاستماع إلى حديث العالم أمتع للنفس وأرسخ في الذهن. لأن التحديق في الحروف السوداء ساعة بعد ساعة يجهد العين ويضعفها. وكل قارئ تمر به فترات من الضيق فيسأم المطالعة، والترويح عن النفس بقراءة كتاب الطبيعة، نعني الخروج إلى الحدائق العامة والتأمل في مباهج الطبيعة، وهذا شيء قل أن يفعله القراء. فاسترح قليلا وخذ العلم من المجالس ومن أفواه العلماء ومن قراءة كتاب الطبيعة. أما النوم الذي تشكو منه، فإن لم يكن لعلة جسمانية وضعف طارئ، وآخر يمزقه، وثالث يبيعه أعرف ناسًا كثيرين حين ضاقوا بالقراءة فلما ذهبت فترة السأم والملل ندموا على ما فعلوا. ثم إن الدخول في النوم يحتاج إلى تفسير آخر يُضاف إلى العزوف اللاشعوري عند القراءة. ذلك أن كثيرا من الناس يعتادون القراءة وهم مستلقون على ظهورهم كأنهم نائمون، ولذلك ينبغي على مثل هؤلاء إذا أرادوا التخلص من النوم أن يتخذوا لأنفسهم عادة أخرى وهي الجلوس في هيئة جادة، كالخروج من حجرة إلى أخرى، أو الخروج من الدار إلى الحديقة. وقد يعالج الإنسان نفسه بأن ينتقل من كتاب إلى آخر، وقد يكون الكتاب ثقيلا مملا يبعث السأم إلى النفس، ومثل هذه الكتب هي التي تجلب النوم.