الموارد المائية في العالم العربي: إن قضية المياه في العالم العربي ليست مجرد مشكلة نقص كمي في عرض المياه العذبة أمام نمو متزايد في إعداد السكان واحتياجات الناس منها لأغراض الزراعة و الصناعة و الشرب والاستخدامات المنزلية. وإنما هناك أبعاد سياسية و اقتصادية و قانونية خصوصا في الدول التي تمر فيها انهار لا تسيطر على منابعها و يشاركها بها أطراف غير عربية مثل سوريا والأردن والعراق ومصر ولبنان. أما دول الخليج فلا انهار فيها ولكنها تعوم فوق بحار مالحة. ومن المفارقات أن دول الخليج العربي قد استطاعت إن تؤمن ولو بتكلفة مرتفعة مستوى أفضل لاستعمال المياه من الدول التي بها انهار. إن ما يضفي موضوع المياه في العالم العربي طابعه السياسي إن هذا الأخير يحصل على 27% من موارده المائية السطحية - الأنهار - من مناطق جغرافية تقع خارج حدوده فانهار النيل والليطاني والأردن و الفرات تنبع من أراضي دول غير عربية و من ثم تدخل المعاهدات و الاتفاقيات الدولية في تشكيل ملامح الصراع أو النزاع المائي بين أطراف المنبع و المجرى والمصب أي بین دول تتنافس من اجل الحصول على نصيب عادل من المياه. ومع مرور الوقت يزداد النمو السكاني في العالم العربي بمعدلات من 2 الى 3 بالمائة. كما سوف يشتد الصراع على سبل تخزين المياه العذبة لدا. سوف نجد ان المياه في بعض المناطق قد تحولت من مشكلة قابلة للحل الى ازمة تحتم معها وجود الصراع السياسي والعسكري ولم تعد تصلح معها الحلول التقليدية. كما قد نجد ان حل المشكلة المائية في مناطق اخرى قد اخذ طابعا اقتصاديا بحتا أي ارتفاع في التكلفة المالية و ليس ندرة في المياه. كما قد تغلب الجانب القانوني الدولي على المشكلة في منطقة معينة كحوض نهر النيل مثلا. 1)التوزيع المجالي للموارد المائية في العالم العربي يمكن حصر العناصر التي تحكم وفرة او ندرة المياه في العالم العربي - عناصر طبيعية : تتمثل في الموقع الجغرافي و المناخ - عناصر بشرية : النمو السكاني - التنمية الاستهلاك المائي - عناصر سياسية : الصراع على المياه - والاتفاقات و المعاهدات بين الدول حول الشأن المائي يقع 90% من العالم العربي البالغ مساحته 14 مليون كم2 في قلب يسمى بمنطقة العطش داخل المنطقة الجافة و شبه الجافة التي يقل ما معدل سقوط الأمطار فيها عن 300مم سنويا. يحتوي العالم العربي الاقاليم المناخية التالية: ما بين الاقليم الصحراوي وهو الاقليم السائد في العالم العربي 80 % من اجمالي مساحته و يشمل الجزء الجاف من العالم العربي المحيط الأطلسي و الخليج العربي فيشمل الصحراء الإفريقية الكبرى و يتميز هذا الاقليم بارتفاع الحرارة الشديد في فصل الصيف والانخفاض في فصل الشتاء وجفاف شبه تام فلا تنزل الأمطار الا نادرا اقليم البحر المتوسط وهو الاقليم الذي يظهر في السواحل الشمالية للعالم العربي و يتمثل في السهول الساحلية التي تطل على البحر المتوسط. ويتميز مناخه بصيف جاف و حار و خالي من الأمطار و شتاء دافئ و ممطر. الاقليم المداري الممطر : يوجد في الأطراف الجنوبية من العالم العربي وكذلك الأطراف الجنوبية الغربية مثل السودان واليمن ويتميز هذا المناخ بشتاء جاف وخالي من الأمطار و صيف ممطر مع ارتفاع درجات الحرارة. ويمكن ان نطلق على هذا الاقليم الشبه الموسمي. التوزع المجالي للأقاليم المناخية بالعالم العربي له تأثير كبير على توزع كميات الأمطار التي بدورها لها تأثير على التوزع المجالي للموارد المائية. يتميز العالم العربي بقلة كميات التساقطات عموما : الأمطار - الثلوج - البرد الندى وتقلبها من فصل لآخر و من سنة لأخرى. ذلك انه ما يقارب % المساحة الجملية تسجل حوالي 100 مم سنويا لذلك يعتبر مناخها صحراويا وجافا. %10 من مساحة العالم العربي يسجل كمية امطار تتراوح بين 100 و 300مم سنويا ويعتبر مناخها شبه صحراوي أي شبه جاف. %13 من مساحة العالم العربي تتلقى ما بين 300 و 500 مم من الأمطار سنويا وتتكون من المناطق التي يسود فيها مناخ البحر المتوسط والمناح الشبه الرطب. %5 من مساحة العالم العربي يزيد فيها سقوط الأمطار عن 500 مم سنويا وهي المناطق ذات المناخ شبه المداري. باستثناء جنوب السودان ذو المناخ الموسمي شبه المداري فان الأمطار ينعدم سقوطها على المناطق العربية في فصل الصيف. تتعرض بعض أجزاء العالم العربي الى فترات طويلة من الجفاف قد تطول احيانا لعدة سنوات و تتعرض مياه الأمطار الى خسائر كبيرة تعود الى عاملان طبيعيان مؤثران التبخر ومسامية التربة الرملية و الجيرية فمعدلات التبخر في العالم العربي مرتفعة بسبب شدة الحرارة. كما يساهم انتشار الصحاري المسامية التربة لكونها رملية في اجزاء عديدة من المنطقة العربية مما يضيف الى ظاهرة التبخر ظاهرة طبيعية اخرى وهي تسرب المياه الى باطن الأرض b)العناصر البشرية: النمو السكاني: يضم العالم العربي حوالي 5% من سكان العالم في المقابل فانه يحتوي على 1% فقط من موارد المياه العذبة في العالم بالإضافة الى العوامل الطبيعية فان عامل النمو السكاني السريع منذ منتصف السبعينات ادى الى انخفاض حاد في نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة. فالدراسات الحديثة تشير الى انه بالاعتماد على المعطيات الديمغرافية الحالية فان عدد السكان سيبلغ حوالي 450 مليون نسمة سنة 2025 مما سيترتب عنه زيادة في الطلب على المياه وبذلك لا يمكن استبعاد خطر نقص الموارد المائية. وفي هذا الاطار تم وضع العديد من المعايير الدولية من قبل منضمة الصحة العالمية للحكم بأكثر دقة على نصيب الفرد من المياه العذبة * حد الفقر المائي حدد ب 1000م 3 للفرد الواحد في السنة أي 2700 ل في اليوم. * اقل من 1000م3 للفرد في السنة فان البلد المعني يعاني من فقر وجفاف في موارده المائية. *في حدود 500 م3 للفرد الواحد في السنة: عتبة الندرة المائية : الوضع يعتبر حرجا. اقل من 100م3 للفرد في السنة: عتبة الشح المائي: اللجوء الى ـوارد المائية غير التقليدية يصبح امر لا مفر منه. وبناءا على هذه المعطيات فقد انخفض متوسط نصيب الفرد من المياه المتجددة بالعالم العربي من 2925م3 سنة 1962 الى 1176 م3 سنة 1992 ثم انخفض انخفاضا ينذر بالخطر سنة 2011 فبلغ 743. 5 م3 وبذلك فقد نزل تحت مستوى حد الفقر المائي المحدد ب 1000 م3 للفرد في السنة وانحدر عن المتوسط العالمي للفرد المحدد ب 7240 م 3 سنويا من خلال على هذه الاحصائيات فان الأوضاع ستزداد خطورة في المستقبل باعتبار ان الموارد المائية في انخفاض بينما عدد السكان في العالم العربي في ارتفاع. بالاعتماد على معدل النمو الديمغرافي الحالي فان نصيب الفرد من المياه العذبة سينخفض الى 564م3 /للفرد/سنة خلال السنوات 2025- 2030 . *خمس دول فقط وهي : العراق، لبنان، السودان، * تحتوي كل من الجزائر و مصر على 30% من سكان العالم العربي لكنها بالمقابل تعاني من شح في مواردها المائية باقي الدول والتي تضم 46% من سكان العالم العربي تقع تحت عتبة الندرة المائية 500م3 /ساكن السنة وتضم هذه المجموعة دول بمعدلات اقل من 100 م3 /ساكن السنة مثل دول الخليج العربي. وفي الختام فإن العالم العربي يعاني فقرا مائيا غير مسبوق، وتتعمق فجوته المائية عاما بعد آخر، إذ ينعدم أمنه المائي. وستتعمق هذه الأزمة أكثر إن بقي الحال على ما هو عليه، وإن لم يتم النظر بمفهوم إستراتيجي لقضايا الأمن والمياه والغذاء.