قبل نشوء الأنثروبولوجيا كعلم مستقل في القرن التاسع عشر، كان للعرب اهتمام بدراسة الإنسان والمجتمعات من خلال عدة مجالات وفروع علمية وثقافية. وقد ظهرت تطبيقات وممارسات مشابهة لما يعرف اليوم بالأنثروبولوجيا في مجالات مختلفة، حتى وإن لم يكن هذا المصطلح معروفاً في ذلك الوقت. ابن خلدون (1332-1406) يُعتبر من أبرز المفكرين الذين قدموا أفكارًا تقترب من الأنثروبولوجيا. قدم نظرية متكاملة عن نشوء الحضارات وسقوطها، وتحدث عن تأثير البيئة والجغرافيا على سلوك الإنسان وتطور المجتمعات. كما أنه ركز على "العصبية" كقوة أساسية تحكم تطور المجتمعات، مما يضعه كواحد من الرواد في مجال الأنثروبولوجيا الاجتماعية. الرحالة العرب، قاموا بوصف المجتمعات التي زاروها وتحدثوا عن عاداتها وتقاليدها ودياناتها. كانت هذه الكتابات شكلًا من أشكال الأنثروبولوجيا الوصفية، حيث قدّموا معلومات دقيقة عن ثقافات الشعوب التي تفاعلوا معها. رحلاتهم خدمت كدراسات ثقافية للمجتمعات غير العربية. الجغرافيون العرب، تناولوا تأثير البيئة والمناخ على المجتمعات وتوزيع السكان، وهو موضوع يتداخل مع الأنثروبولوجيا البيئية. كانت هذه الأفكار تقدم تحليلاً لكيفية تأثير البيئة على تشكيل الثقافات والاقتصادات المحلية. الاهتمام العربي بالأنساب كان جزءًا أساسيًا من الهوية الاجتماعية والسياسية للعرب، دراسة الأنساب وتحديد علاقات القبائل ببعضها هو مجال كان يعكس اهتمامًا بالهياكل الاجتماعية، وهو ما يشبه في بعض جوانبه الأنثروبولوجيا الاجتماعية. الأدب الجاهلي، كان يعكس ثقافة المجتمع وقيمه، وطريقة الحياة في المجتمعات القبلية. هذا الشعر كان يمثل سردًا لأنماط الحياة، والقيم الثقافية والعادات الاجتماعية، مما يجعله مصدرًا هامًا لفهم المجتمعات العربية القديمة بطريقة مشابهة لما تقوم به الأنثروبولوجيا الثقافية. علماء الفقه اهتموا بدراسة العادات والتقاليد الاجتماعية والدينية لتقديم الأحكام الشرعية. كان الفقهاء يدرسون السلوك البشري في سياقاته الاجتماعية، مما يمكن اعتباره شكلاً مبكرًا من دراسة تأثير الثقافة والدين على المجتمع. الفلاسفة المسلمون، تناولوا موضوعات تتعلق بطبيعة الإنسان والمجتمع، فلسفاتهم المتعلقة بالمدينة الفاضلة والعلاقات الاجتماعية يمكن أن تُعتبر جزءًا من الإرث الفكري الذي يسبق الأنثروبولوجيا الحديثة. خلاصة: رغم أن الأنثروبولوجيا كعلم لم تكن موجودة بشكل رسمي عند العرب قبل نشأتها في الغرب،