يعرف الاكتئاب على انه اضطراب في المزاج يتميز بشعور دائم من الحزن أو الفراغ، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، بل يشمل تغيّرات في التفكير والسلوك والوظائف الحيوية، مما يعكس اضطرابًا في أنظمة متعددة داخل الفرد. وقد تطور الفهم العلمي للاكتئاب من منظور أحادي بيولوجي أو نفسي فقط إلى منظور تعددي متكامل (Integrative Multilevel Perspective). 2- المنظور التكاملي للاكتئاب يقصد بالتفسير التكاملي للاكتئاب؛ ان الاكتئاب ناتج عن تفاعل مستمر بين: - العوامل المعرفية والانفعالية. (مثل التفكير السلبي وصعوبة تنظيم المشاعر). مثال تطبيقي : لا نكتفي بالسؤال عن الأعراض الجسدية، وطريقة التفكير، * الجانب الانفعالي (Emotional Component) إحدى السمات المميزة للاكتئاب هي: خلل تنظيم الانفعال Emotion Regulation Dysfunction). فالأشخاص المكتئبون يُظهرون: * ضعفًا في القدرة على تعديل المشاعر أو الحفاظ على المشاعر الإيجابية. لكني لا أستطيع. * الجانب المعرفي (Cognitive Component) أي معالجة المعلومات بطريقة تؤكد النظرة السلبية للذات وللعالم، تظهر في المزاج السلبي والأفكار السلبية المتبادلة على النحو التالي: (Castonguay, 2013. P31) - السياق الاجتماعي يلعب دورًا محوريًا في نشوء الاكتئاب أو استمراره، ففقدان الدعم، أو النقد المستمر، كلها عوامل تضعف نظام التعزيز الاجتماعي الإيجابي. - التقييم الإكلينيكي الجيد لا يقتصر على "ما يشعر به المريض"، - أي مستوى من التحليل وحده سواء أكان بيولوجيًا أو معرفيًا أو اجتماعيًا غير كافٍ. بل إن التكامل بين هذه المستويات هو ما يتيح لنا فهم هذا الاضطراب المركب ومعالجته بفاعلية. أ - المعالج يجب أن يعرف: هل مصدر الاكتئاب لدى المريض بيولوجي بالأساس، أم تفاعلي؟ ومن ثم يختار المقاربة العلاجية الملائمة، وهنا يبرز مبدأ “الملاءمة بين السبب والعلاج. يدخل الاكتئاب ضمن فئة اضطرابات المزاج (Mood Disorders (، الاضطرابات ثنائية القطب. أ-الاضطراب الاكتئابي الجسيم (Major Depressive Disorder – MDD) وهو من أكثر أنواع الاكتئاب انتشارًا في الممارسة السريرية. وأن تتوافر خمسة أعراض أو أكثر من القائمة التالية: - مزاج مكتئب أغلب اليوم. - فقدان الاهتمام أو المتعة في الأنشطة المعتادة. - بطء أو تهيج حركي. ب-الاضطراب الاكتئابي المستمر (Persistent Depressive Disorder – Dysthymia) يستمر لسنتين أو أكثر. - الاضطراب المزعج السابق للحيض (Premenstrual Dysphoric Disorder PMDD) يظهر من خلال تقلبات حادة في المزاج والانفعال والتهيج قبل الحيض بأيام قليلة، تختفي خلال الأيام الأولى من الدورة. وتشمل أعراضه السريرية ما يلي: تقلبات مزاجية مفاجئة (Mood swings). تهيّج واضح واضطراب في النوم والشهية. - الاضطراب المزاجي المتقلب التخريبي (Disruptive Mood Dysregulation Disorder – DMDD) - اضطراب يظهر عند الأطفال والمراهقين على شكل نوبات غضب متكررة وغير متناسبة مع الموقف. -مزاج غاضب أو متهيج معظم اليوم تقريبًا. وقد تم ادراجه في DSM-5 بهدف التقليل من التشخيص المفرط للاضطراب ثنائي القطب عند الأطفال. وتتمثل اعراضه التشخيصية: * المزاج الغاضب بين النوبات بشكل شبه دائم. * استمرار الأعراض اقل من أو يساوي 12 شهرًا. ولا يُشخّص قبل سن 6 أو بعد 18 عامًا . 5- العوامل المسببة للإكتئاب (Etiology of Depression) - ينظر للاكتئاب غالبا بوصفه نتيجة لتفاعل دينامي معقد بين القابلية الفردية (الوراثية والنفسية) الاستعدادات الداخلية (Vulnerability) والضغوط (Stressors). البيئية والاجتماعية أي اجتماعهما يزيد من احتمال حدوثه. الذي يوضح أن الاكتئاب لا يظهر إلا عندما تتفاعل القابلية الفردية مع ظروف خارجية ضاغطة. - دراسات التوائم والعائلات تشير إلى قابلية وراثية تتراوح بين 35% و50%. نجد حاملي النمط القصير من جين ناقل السيروتونين أكثر عرضة لتطوير الاكتئاب عندما يتعرضون لأحداث حياة مرهقة مقارنة بغيرهم. لكنه يفهم أن بعض الأشخاص "بيولوجيًا أكثر هشاشة"، والنورأدرينالين (الطاقة)، هذه المواد تعمل مثل "نظام توازن كيميائي للمشاعر" يؤدي إلى حدوث الاكتئاب . - الدماغ: - نقص نشاط أو تشوه في بعض أجزاء الجهاز العصبي ترتبط بعدم القدرة على الشعور بالمكافأة أو الأمل والتي تشمل: * تضخم اللوزة الدماغية (Amygdala). * صِغر حجم الحُصين (Hippocampus). مما يضعف النوم ويزيد القلق. ب- العوامل النفسية – المعرفية والانفعالية: - الخبرات الطفولية المبكرة: (الإهمال، الرفض) تسهم في بناء مخططات معرفية سلبية تدوم إلى مرحلة الرشد. ويزيد من احتمالية الإصابة بالاكتئاب في مراحل لاحقة من الحياة. نظرة سلبية للعالم: “الحياة غير عادلة. ” ، نظرة سلبية للمستقبل: “لن يتحسن شيء أبدًا. والتعميم المفرط. - نقص التعزيز (Behavioral Model): ، فيدخل الفرد دائرة انسحاب وخمول ج-العوامل الاجتماعية والبينشخصية. - البيئات التي يغلب عليها النقد والصراع أكثر عرضة لتكرار النوبات الاكتئابية لدى مرضى الاكتئاب أكثر من أولئك الذين يحظون بدعم اجتماعي فعّال. فهي تتغذى على صعوبات العلاقات والاتصال العاطفي، والتي تتمثل في: * الصراعات الزوجية أو الأسرية المتكررة تعد محفزا رئيسًا د-الاضطرابات المرافقة (Comorbidity) - نادرًا ما يظهر الاكتئاب بشكل نقي، بل يتداخل غالبًا مع اضطرابات أخرى، - كما قد يترافق الاكتئاب مع كل من: - اضطرابات الأكل (Eating Disorders). - تعاطي المواد (Substance Use). - تشارك الاكتئاب مع اضطرابات أخرى لا يزيد فقط من شدّة الأعراض، بل غالبًا يشير إلى تفاعل بين أنظمة نفسية متداخلة، 6-النماذج التفسيرية للاكتئاب Theoretical Models of Depression** أ- النموذج المعرفي (The Cognitive Model) يرى أن جوهر الاكتئاب يكمن في طريقة التفكير المشوّهة التي يحملها الفرد عن ذاته والعالم والمستقبل. - الأفراد الذين يعانون من الاكتئاب يطورون منظومات فكرية سلبية (negative schemas) تؤثر على كيفية تفسيرهم للأحداث اليومية، فيميلون إلى استخلاص استنتاجات متشائمة وغير واقعية. المكونات الرئيسة للنموذج المعرفي: - نماط فكرية مستقرة تتكون غالبا في الطفولة من خلال تجارب نقدية أو فشل متكرر؛ "أنا شخص فاشل" 2-الأفكار التلقائية (Automatic Thoughts) : - تتمثل في تدفق داخلي مستمر من الأفكار القصيرة غير الواعية التي تعيد إنتاج الشعور باليأس؛ أفسدت كل شيء. "الجميع أفضل مني" هي مؤشرات على تشوهات معرفية تحتاج إلى تعديل من خلال مساعدة المريض على اكتشاف الفكرة التي تولد تلك المشاعر السلبية. ب-النموذج الانفعالي (The Emotional Regulation Model) : يركّز هذا النموذج على العجز في تنظيم الانفعال (Emotion Regulation Deficit). مما يزيد من التوتر الداخلي. - التجنب (Avoidance): ويقصد به تجنّب المواقف التي تثير المشاعر المؤلمة، ويمثل أحد المحددات المركزية لاستمرار الاكتئاب. مثال تطبيقي: في المقابلة الإكلينيكية، بل أيضا على طريقة تعامل المريض مع مشاعره: هل يحاول السيطرة؟ هل يتجنّبها؟ مثلاً: المريض الذي يضحك وهو يتحدث عن تجربة مؤلمة قد يكون يستخدم آلية كبت انفعالي. . ج- النموذج العصبي-الحيوي (Neurobiological Model) يركّز هذا النموذج على الأسس الدماغية والكيميائية للاكتئاب حيث يرتبط بخلل في عدد من الأنظمة العصبية المركزية: اضطراب في الدوائر المسؤولة عن معالجة المكافأة والانفعال، بما في ذلك اللوزة الدماغية (amygdala)، والحصين (hippocampus)، العوامل العصبية الأساسية: - النواقل العصبية (Neurotransmitters): انخفاض مستويات السيروتونين (Serotonin) والنورأدرينالين (Norepinephrine) والدوبامين (Dopamine). هذه المواد مسؤولة عن توازن المزاج والطاقة والدافعية. مما يسبب اضطراب النوم والتعب المزمن. - التصوير العصبي (Neuroimaging): يظهر انخفاض نشاط الفص الجبهي الأيسر (مرتبط بالمشاعر الإيجابية)، وزيادة نشاط اللوزة الدماغية (مرتبطة بالخوف والحزن). يفسير فقدان القدرة على الإحساس بالمكافأة (anhedonia)وهو أحد أكثر أعراض الاكتئاب تميّزًا. النموذج العصبي لا يتعارض مع النموذج النفسي، فعندما يفقد المريض الاهتمام أو المتعة، وليس فقط نتيجة أفكار سلبية. د- النموذج الاجتماعي – العلاقي (Interpersonal and Social Model) يؤكد هذا النموذج أن العلاقات الإنسانية تشكّل السياق الأساسي الذي يظهر فيه الاكتئاب. الآليات الاجتماعية المفسّرة - الخسارة (Loss) : فقدان شخص عزيز أو علاقة داعمة قد يُحدث خللًا في التوازن النفسي. - الرفض (Rejection): الإحساس بعدم القبول يؤدي إلى ضعف تقدير الذات. - نقص المهارات الاجتماعية : يؤدي إلى سوء فهم الآخرين، - نقص التعزيز الإيجابي: قلة التفاعل الاجتماعي الإيجابي تقلل من المزاج الإيجابي. وحسب هذا النموذج يمكن فهم الاكتئاب بوصفه اضطرابًا في علاقة الفرد بالآخرين بقدر ما هو اضطراب في جهازه النفسي. و أهم العلاجات التي أثبتت فعاليتها تجريبيًا شملت: العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy – CBT) - آليات التأثير: * إعادة بناء المعتقدات السلبية حول الذات والعالم والمستقبل. * تنشيط السلوكيات الإيجابية لتعزيز الشعور بالكفاءة. * تعليم مهارات حل المشكلات وتنظيم الانفعال. - CBT يتمحور حول “تجريب الأفكار” (Testing Thoughts) بدل مجادلتها فقط، فيُشجَّع المريض على اختبار واقعية أفكاره عمليًا. - الآليات الأساسية: