أشرت في مقالي السابق إلى العلاقة بين الذوق العام ورقي الأدب، وأعود الآن إلى هذه العلاقة، يذهب بعض المفكرين إلى أن الفنون — ومنها الأدب — ترتقي وتنحط، أو على الأقل أسباب ظاهرة؛ فالناظر لتاريخ الفنون في العالم يرى أن أمة في عصر من العصور قد ترقى في فن من الفنون كالموسيقى أو الحفر أو التصوير أو الشعر، على حين أن أمة أخرى ترقى في فن آخر من هذه الفنون، ثم بعد رقي عظيم تنحط الأمة في هذا الفن، ويحل محل الفن فن آخر، وتتبادل الأمم ذلك من غير أن يكون لهذا التقدم وهذا التأخر علة مفهومة. وشأن الفنون شأن النابغين الفنانين، فقد ينبغ النابغ في أمة ولا نعرف لِمَ نبغ وكيف نبغ؛ وتحاول الأمة أن تخلق نابغين فلا ينخلقوا — بل ترى الأمر عجبًا؛ فقد يوجد النابغة والأمة على أسوأ ما يكون من ضعف في الخلُق، ثم ترقى الأمة عقلًا وترقى خلقًا وتتلفت فلا تجد نبوغًا، ولكن ينعكس الأمر حتى لتجد الأمة وأعضاؤها قوية ولا رأس، بينما كان لها في حال ضعفها رأس قوي ولا أعضاء — ما ذاك إلا؛ وقد قال هؤلاء: إن الفنون في ذلك ليست كالعلوم، فالرقي في العلوم سبيله ميسور ممهد، فإذا هي جدت في ذلك وصلت إلى درجة من الرقي تناسب جدها واستعدادها؛ فهو في أكثر أوقاته مستعد لذلك، ولكنه إذا شاء أن يكتب قطعة فنية أدبية إنشائية لا يستطيع ذلك إلا ذاك إلا في حالة نفسية صافية، ومزاج يتناسب والقطعة الفنية التي ينشئها، ويصادفه وقت هو كما يسميه الصوفية — وقت تجل، ثم هو يحاول بعد مرارًا أن يخلق مثل هذا التجلي، وتعليله ما قاله علماء الكلام: «ولم تكن نُبوة مكتسبة» — هو في العلم مالك وقته يصرفه كما يشاء، فالأمة المصرية — قديمًا — رقيت في فنون النحت والنقش والبناء رقيًّا بديعًا جعلها من أساتذة العالم في هذا الباب، وخلفت على مر الأزمان ثروة لا تقوَّم؛ ولا تزال قبلة الفنانين إلى الآن تستخرج إعجابهم، ولو كان الأمر بالعلل والأسباب المنطقية لوجب أن يكون المصريون اليوم أعلى فنًّا وأكثر نبوغًا، ولكان الفن الأوربي الآن أسمى وأتم منه في القرون الوسطى. فأما وقد عجز المنطق عن تقديم مقدمات ونتائج صحيحة فليس إلا الإلهام، فهو يخرج الأدب عن دائرة الإرادة، ومن الحق أن للأدب خطة تُنتَهَج كمنهج العلم، والعالم لا بد أن يكون مهيأ للإلهام كالأديب؛ وأكثر المخترعات والمستكشفات في العالم كانت نتيجة إلهام أكثر منها نتيجة لمقدمات منطقية وتجارب علمية؛ وإنما التجارب تهيئ للإلهام وتحقق ما يأتي به، وتبين صحيحه من فاسده، فالناظر ينظر إلى الصورة فيستجملها أو يستقبحها، فإن أنت سألته: لِمَ استجملها أو لِمَ استقبحها؟ لم يُحر جوابًا؛ وإذا أجاب أجاب بكلمات منمقة، وأنت غنّيٌّ بعدُ عن أن أقول لك: إن هذه ألفاظ وجمل قد تُرضي البلاغة، وقد تُعْرَض صورة أو يظهر إنسان أمام جمع من النظارة؛ فهذا يستحسنه وذاك يستقبحه، وقد ترى إنسانًا وكل عضو من أعضائه على انفراد جميل، فما الذي كونه هذا التكوين؟ وما الذي وضعه هذا الوضع؟ ولِمَ استحسنْتَه مفرقًا، ولِمَ تستحسنه جملة؟ لا شيء في الحقيقة إلا الذوق الذي لا يعلل، فماذا صنع؟ إنه يأتي بالبيت الجميل ثم يقف ويتساءل: فيم كان جماله؟ فما هو إلا أن يصوغ لك جملًا رشيقةً، فأنا كفيل بأن آتيك بتقديم يُحسن، وقد تحاول أن تفرق بينهم فلا تستطيع، ثم تسلم سلاحك وتكتفي بأن تقول: هذا جميل، وما علوم البلاغة كلها إلا محاولة لتعليل الذوق الأدبي، وإذا كان الذوق لا يعلل فكل ما ترتب عليه لا يعلل، وإذا كان الفن وليد الذوق فالفن لا يعلل، هكذا أيضًا قالوا أو يصح أن يقولوا — وهذه الآراء — وإن كان فيها شية من الحق — ليست حقًّا كلها، ووضعوا للذوق والجمال علمًا، ووضع أسس جديدة للبلاغة والنقد الأدبي مما ليس هذا موضعه. والذي أميل إليه أن الفن نتيجة الذوق لا محالة، فالطفل إذا لُفِتَ نظره إلى الأزهار وجملها تكون فيه الميل إلى حبها والاستمتاع بها؛ فإذا كان بعدُ أدبيًّا اتصلت حياته الأدبية بها، وظهر في نتاجه الفني هذا الحب وهذا التقدير. والذوق العام للأمة في قوته وضعفه ورقيه وانحطاطه، ليس يظهر فجأة ولا هو نتيجة المصادفة البحتة، إنما هو نتيجة لكل ما يحيط بالأمة من ظروف وأحداث، وإن شئت فقل: إن ذوق الأمة هو تعبيرها عما تُقَوِّم؛ فالأمة إذا قومت المناظر الطبيعية تذوقتها، وإذا قومت جمال الأزهار تذوقته، وإذا لم تقوم النظام في المجتمعات لم تتذوقه، ولم يجرح ذوقها تهويش على محاضر أو مغن أو ممثل — والفنان ليس إلا معبرًا عن ذوق الأمة، ومن أهم أسباب ضعف الأدب العربي مسألتان تتصلان بهذه الحقيقة: الأولى أن الأدب العربي لا يتصل بالذوق العام للأمة اتصالًا وثيقًا؛ ولا يتصل إلا بذوق خاص وهو ذوق محترفي الأدب، ومن تكون ذوقهم تكونًا «كلاسيكيًّا»؛ ولا أمل في نجاحه إلا أن نعمل بأي شكل كان على أن نصل الأدب أو أكثره بالذوق العام. الآداب في أكثر الأمم كانت أرستقراطية النزعة يوم كانت القوة في يد الأرستقراطيين؛ فلما انتشرت الديمقراطية تبعها الأدب، فلما عمت النزعة الديمقراطية العالم لم تؤثر في الأدب العربي أثرها في غيره من الآداب، وهذا قلل من غير شك اتصاله بالذوق العام للأمة. على كل حال لا وسيلة لترقية الفن ومنه الأدب إلا بترقية الذوق، من أهمها التأذين في الناس بصوت عالي يهزهم هزًّا عنيفًا حتى يشعروا بأن أذواقهم مريضة، ولست أعني جمال الوجوه وحدها ولكن جمال الأزهار، بل يجمعون إلى الدعوة لجمال الماضي جمال الحاضر — وهذا أكثر وضوحًا في الأدب، ولكن يجب أن يقرن به الدعوة القوية أيضًا إلى النظر إلى أنفسنا والقول في أنفسنا. فإذا كانت بيوتنا تعني بكمية الأكل وتعطيها أكبر قيمة، وجب أن نرفع قيمة الكيفية فنضع قيمة كبرى للأزهار على المائدة ولجمال الترتيب والنظام ولجمال الحديث. يجب أن نوجه إرادتنا في ترقية الذوق كما نوجه إرادتنا لترقية العلم ولترقية النظام السياسي، ونضع للذوق برامج كالتي نضع لبرامج التعليم.