بالنظر إلى عموم السينما الفلسطينية، على طول مسيرتها، لكن كذلك بحضور ملحّ للأطفال، قد لا يرى أحدنا سبباً استثنائياً في أن يكون الأطفال حاضرين بشكل واضح في سينما هي سياسية بالدرجة الأولى كالفلسطينية، بخلاف سينما اجتماعية بالدرجة الأولى، حالة سياسية ملحّة ومواجهة بشتى أشكالها مع الاحتلال الإسرائيلي، لكنه ليس حال السينما الفلسطينية التي استحضرت الأطفال كشخصيات ثانوية ورئيسية بشكل ملفت، ما أتاح التحليلَ لهذه الظاهرة والاستنتاج منها. بدأ حضور الأطفال في أوّل الأفلام الروائية للسينما الفلسطينية، وهذا الأخير من أبرز الأفلام التي تمحورت حول الأطفال وخيالاتهم وحيواتهم وتحديداً في قطاع غزة. أتى حضور الأطفال ضمن السياق السياسي للقضية الفلسطينية ما بعد انتفاضة الحجارة ومن بعدها اتفاقيات أوسلو، خيبةً كبرى للفلسطينيين وعلى طول العقد بأكمله. في محوٍ للهوية الفلسطينية ومنحٍ للأراضي والحقوق الفلسطينية إلى الاحتلال، تطلّعاً إلى غدٍ يكون بهؤلاء الأطفال ضمن دولة موعودة لا أسس لها، حال السلطة الوليدة في حينها كما هو حال أفلام أوسلو. ستأتي انتفاضة الأقصى بآمال جديدة للطفولة في هذه السينما. لا شكّ في أن سينما ما قبل العام ٢٠٠٠، وإن كانت هذه الأخيرة منقطعة عمّا سبقها، علامات وميزات أساسية لعموم السينما الفلسطينية امتدت إليها متخذة أشكالاً جديدة منسجمة مع المرحلة السياسية والاجتماعية والثقافية للحالة الفلسطينية ما بعد العام ٢٠٠٠، مع تنويع في المقاربات ووفرة في الإنتاجات. من بين هذه الامتدادات والانسجامات حضور الأطفال في سينما الفلسطينيين. للطفل دور أساسي في فيلم “عطش” لتوفيق أبو وائل، بل موقع موازٍ لذكورية الأب التي سيحتلّها الولد. ممتدٌّ على طول الفيلم. تقلّصت نسبة حضور الأطفال في السينما الروائية الفلسطينية وكان أبرزها في هذه الثلاثة، بتنويع وتفاوت بين حضور وآخر، وفي تخلٍّ تام عن رمزية الأمل والرغبة في الخروج من البؤس الراهن كما كان حال أفلام ما قبل العام ٢٠٠٠، إذ كان الأطفال والفتيان هنا شخصيات لها دورها في راهن القصة بمعزل عن تحميلها دلالات مستقبلية، كأنّ دخول الطفولة في أفلام العقد الأول من الألفية كان تائهاً أو باحثاً عن هوية ما، في محاولة للإفلات من طفولة الأفلام السابقة، وهو ما ينسجم مع حالة الضياع التي عاشها الفلسطينيون بعد خنق الانتفاضة وتشديد تعاون السلطة الفلسطينية، الأفلام المدرجة هنا ليست الوحيدة في تصوير أطفال ضمن قصصها، يكون واحد من أفضل الأفلام التي تمحورت حول الأطفال، وكان ببطولة رئيسية لطفل من جيل الثورة الفلسطينية. بل يتمرد عليه بانضمامه إلى معسكرات الثوار على الحدود مع فلسطين، هو تمرّد منقطع عن تصوير الأطفال في الأفلام السابقة. فيلم ثالث لحقهما بتصوير لفتاة وفتى في محاولة لتمردٍ اجتماعي هو “فيلا توما” لسهى عراف. واصل تصوير الأطفال والفتيان والفتيات كشخصيات رئيسية أو ثانوية، في نقل لسياق مختلف وبتنويع في تصوير الطفولة، وفيه تلد الأم طفلها الذي سيمضي أعوامه الأولى في السجن. كانت الطفولة أقرب إلى ما كانت عليه في أفلام التسعينيات، بل حضرت من خلال الأب المتنقل على طول الفيلم، للوصول أخيراً إلى أطفاله. من بعده أتى “فرحة” لدارين سلام، لتكون الطفولة في أكثر حالاتها تفاؤلاً وإرادة وإيماناً في القدرة على التمرد، في أفلام نسائية وفي أدوار رئيسية، وتكون في أفلام المخرجين الرجال أقرب إلى موضوع ثانوي أو تعبير راهن عن بؤس من دون التمرد عليه بالضرورة. حضر الأطفال بشكل مكثّف، نجد الطفولة ضمن مواقع متفاوتة في أهميتها درامياً، وإن كان له ولأخته حضور ثانوي مقابل بطولة الأب. وفي هذا الأخير استعادة لدور الطفل أو الفتى المتمرّد المقاوم. للطفولة في السينما الفلسطينية ترميزات متفاوتة، لكنها بدأت بشكلها اليائس حيث لا يتخلى الأطفال عن أحلامهم لكن من دون التقدّم درامياً من أجل تحقيقها، هم على هامش عالم للكبار وقوانينهم، بدأت من بعدها تظهر أفلام بمقاربات جديدة للطفولة، هي متمرّدة على واقع تعيشه من دون أن تعي، في “لما شفتك” يصرّ الولد على العودة إلى فلسطين متخطياً الحدود، من دون أيّ وعي يمكن أن يحمله الكبار يحول بينه وبين تحقيق رغبته التي يصر، بالعناد الطفولي، تتمرّد كما لم تتمرد طفلة في السينما الفلسطينية. تتواتر وتتفاوت حالات التمرد لدى الطفولة في السينما الفلسطينية ما بعد العام ٢٠٠٠، لكنها تصل إلى مستوى جديد يدخل فيه الولد عالمَ المقاومة المنظّمة في “الأستاذ”، فهي أنّ الثورة والمقاومة لدى الأطفال في السينما الفلسطينية، هي أفلام لمخرجات نساء صوّرنَ من الشخصية الطفولية في أفلامهن السمةَ الفلسطينية الأبرز فيها،