حدَّثنا بالأمثلة : أولع الفارابي مذ حداثته بقراءة كل ما تقع عليه عيناه من كتب . وابن سينا ظهرت عليه أمارات النبوغ بشكلٍ لافتٍ للنظر مذ صغرِه ، مما جعل أباه يوليه اهتماماً خاصاً أكثر من أخيه الحارث. ويندهش كل من "أونول بيتمان" و "فيليب س. واذكر في العباقرة الأفذاذ نيوتن ، فما أن بلغ الثامنة عشرة حتى أخذ يقرأ بنهم في كل شيء. وعندما دخل جامعة كيمبردج قرأ كل ما وقع تحت بصره، حتى إذا ما استوى عوده وبلغ أشده كان قد أرسى كثيراً من المفاهيم والقوانين والنظريات التي أسهمت بدورها في إرساء بعض قواعد العلم الحديث . كما كان يحضر، وهو فتى، أما أصغر من بدت عليه بوادر النبوغ فهو إديسون . إذ لاح ذكاؤه وهو رضيع لم يصل بعد إلى الثانية في وقائع كثيرة – هل تذكرها؟ واقعة ذبح الدجاجة أمامه، وواقعة مص الإبهام، وعلاجه لصرير عربة أحد الجيرا ، ونيوتن، فقد كتب وهو في الثامنة عشرة بحثاً قيماً عن القواعد العامة للميكانيكا كان له وقعه في نفس "دلامبير" عالم فرنسا الرياضي الكبير مما جعله يُرسل في طلب الشاب مبكر النضج . ومن غُزاة الذرة، كان مندلييف من يومه صاحب عبقرية علمية وموهبة تدريسية فذة. وقد كتب وهو في الرابعة والعشرين بحثاً قيماً استفاد منه آينشتاين في صياغة معادلته الشهيرة التي تربط بين الطاقة والكتلة ومربع سرعة الضوء . اكتشف ناموس الأعداد الذرية، وحل مشكلة الأتربة النادرة، وابتكر طريقة لإحصاء عدد البروتونات في نَوَى الذرات، واذكر في مكتشفي الحياة ابن جُلجُل، ثنتان من السنين فقط وثلاثون، مما يدل على أن موهبته تفجرَت جد مبكرة حتى إنه استطاع أن يُخلَّف كل ذلك الإنتاج الذي خلَّفه وهو في هذه السن المبكرة . أما فلمنج ، فقد كان نابهاً في كل سني دراسته، فقد أنهى جميع أعماله في فروعٍ فيزيقية متعدِّدة، ولكن على الضدِّ لم تظهر على فاراداي الطفل بشائر تُنبئ عن مستقبل نبوغه. إذ كان تلميذاً عادياً في مدرسة عادية، غير أن الموهبة الكامنة بداخله سرعان ما تفجّرت عندما واتتها الفرصة المناسبة بقراءة مؤلفات ديفي والاستماع إلى محاضراته والعمل معه. وما كان فاراداي-الشاب قليل التعليم- أن يتبوأ تلكم المنزلة الرفيعة التي وصل إليها بغير موهبة فذّة واستعدادٍ أصيلٍ كامنين بداخله ! . كذلك تفجّرت موهبة هرتز سريعاً كما أنه ذوى سريعاً ، فقد قام بكل كشوفاته ثم قضى نحبه وهو في السابعة والثلاثين! ولم يسبقه من العلماء إلى الآخرة غير موزلي وابن جُلجُل . ومن رواد الكيمياء نذكر بويل. كان ألمعياً تفتقت موهبته في العلوم وفي اللغات التي مكنَّته من دراسات موسَّعة للكتاب المقدَّس بلغاته الأصلية . وعلى شاكلته كان بريستلي، وكان ديفي موهوباً من يومه، ذا اهتمامات متعدِّدة علمية وشعرية، وكان عالماً فذاً ومحاضراً موهوباً. وقد ورثت ماري كوري عقل والدها أستاذ الفيزيقا ويدي أمها عازفة البيانو. وقد أظهرت مذ حداثتها كفاءة مبكرة وحباً عظيماً للعلوم التجريبية، جعلت مندلييف يتنبأ – عندما رآها تعمل في معمل – بمستقبلٍ زاهرٍ لها وباهر . فهذا مندل يرسب في الامتحان مرتين، حتى آينشتاين نفسه لم يكن أوفر منهم حظاً في هذا الأمر ! .