شعرت بالسعادة عند زيارة الزوجة السعيدة، وكانت فرحتي صدمة سعيدة زعزعت الكفر الذي أستبد بقلبي وخواطري، الكفر بالمحاماة بإعتبارها صنعة يكتسب منها الإنسان رزقا ولا يفيد المجتمع منها شيئاً. كان يؤلمني أن أعيش في مجتمع إنساني وينقضى أغلب العمر، أجمل العمر، أقوى أيام العمر ولا أكون قد أفدت الإنسانية فائدة أسعد بها ويسعد الناس بها. ولكن زيارة هذه الزوجة السعيدة أسلمتنى إلى لذة جميلة حاولت أن أستحلى كنهها وأدرك حقيقتها فجلست إلى نافذة ذكرياتي وأخذت أتطلع إلى طريق الذكريات تماما كما يجلس المكروب أو المحبوس يتطلع إلى الطريق ويتسلى بمرأى الغادين والرائحين ويفكر فى كل واحد من هؤلاء المجهولين منه، وتذكرت يوم كنت محبوساً في سجن الأجانب - الجريمة سياسية طبعا - وأخذت مكاني في نافذة السجن المطلة على مفارق طرق شارع عماد الدين وشارع رمسيس. في هذا العالم المعقد المترنح كالسكران بين الهدى والضلال عشت أياما طوالا وأنا أحدث هؤلاء وأجبرهم على أن يتحدثوا معى وأنصحهم فلا ينتصحون. تماما مثل ما فعلت مع هذا الطريق ، وعالمه ، وناسه ، ومجتمعه وأطللت من نافذة الذكريات وأحضرت الذين عشت معهم هذه الفترة الطويلة من العمر وأخذت أناجيهم وأحاورهم وأتحدث معهم وأجبرهم على أن يتحدثوا معى هنا برقت لى بارقة أمل وإيمان وأدركت وأنا أنشر ما في مضاجع ذكرياتي أن هناك أراء ومبادئ وأفكار تقوم من مضاجعها مع القائمين من الناس الذين ناصرتهم وأنفذت وأقلت عثراتهم. وكانت هذه الآراء والأفكار حية قوية أشد حياة من الناس وأقوى بنيانا من الأدميين ولقد كانت الآراء والمبادئ والأفكار دائما أشد حياة وأقوى لأن الإنسان فان بطبعه وخلقته أما هذه الآراء فخالدة لأنها قبس من نور الله.