إذا كنت تريد أن تبني سفينة، لا تحشد الرجال لجمع الحطب ولا لتقسيم العمل وإصدار الأوامر، ‏)Antoine de Saint-Exupéry( أنتوان دي سانت ليس هناك سؤال يجيش مشاعري ولا يشعل كل خلايا مخي بقدر السؤال الذي يتساءل ويقلل ضمنيا أهمية بعض النتائج العلمية، ويأتي مثل هذا السؤال على عدة أشكال ولكنها تكون بمضمون واحد، فمثلا من الممكن أن يكون السؤال كالتالي: «إن العلماء صرفوا المليارات على المصادم الهدروني الكبير، فما الفائدة منه؟» أو ما الفائدة من إنزال مركبة على المريخ ؟ أليس من الأفضل التركيز على حال البشر على الأرض بدلا من صرف المليارات على شيء لا فائدة منه؟» أو كالسؤال الذي وصلني على تويتر بعد أن طرح صديقي معلومة تقول إن الشمس تستطيع استيعاب مليون و ٣٠٠ ألف كوكب بحجم كوكب الأرض، وحتى العلماء يناقشونها، مشكلة الصرف فتح باب النقاش بسبب الوضع الاقتصادي العالمي، وبين أهمية وكالة "ناسا"، وببلاغته بين أهمية العلم ككل في رفع مستوى الأمم. المليارات من الدولارات تصرف سنويا على العلم، وستعرف حجم الميزانيات الموجهة للعلم، حيث كان الصرف في عام 2011 يشكل %1% من الدولار (18 مليار دولار)، وحتى قدر %1% يشكل انخفاضًا بالمقارنة مع سنوات سابقة، وهو الآن يطالب الحكومة الأمريكية أن ترفع هذه الميزانية. أو أن هناك نجما اسمه "في واي كينس ماجوريس" (VY Canis Majoris) يستطيع أن يستوعب 7 مليارات شمس مثل شمسنا لكبر حجمه، فما الفائدة إذا علمنا هذه المعلومات؟ ماذا بعد؟ نحن بعيدون عن هذه المجرات إلى درجة أنه لا يمكن الوصول إليها بأي وسيلة صاروخية نعرفها اليوم، مشكلات الأرض كثيرة، فبدلا من أن تصرف هذه المبالغ على الفضاء لنصرفها على الفقراء، ولنصرفها على علاج المشكلات الاقتصادية الحالية، ولنصرفها على إطعام البشر ، هناك قائمة طويلة من المتطلبات، يبدو أن لا حل لها إلا بإلغاء الصرف على العلم! ما قد لا تشعر بأثره أن من خلال صرف الدول لهذه الكميات الهائلة من المبالغ - سواء أكان على "ناسا" أم على المصادم الهدروني الكبير أم على أي مشروع لا تشعر بقيمته - أأطعم البشر وعولجوا من الأمراض وحسن الاقتصاد أم لا ؟ - وعامة فقد صرفت هذه المبالغ على العلماء فرفعوا كثيرًا من المعاناة، ويريد الحلول المباشرة التي يستطيع أن يرى نتائجها أمام عينيه، يريد أن يحصل على إشباع لحظي فهو أيضًا لا يفهم أنه - يوميا - يتلمس نتائج العلوم في حياته، فأصبحت وكأنها تحصيل حاصل، فهي كالرائحة الجميلة التي اعتاد على استنشاقها فلم يعد شمها يؤثر فيه. "ناسا" والنجوم فما الفائدة من مؤسسة تصرف المليارات للتسلية؟ للإجابة عن هذا السؤال نحتاج لأن نتوجه لموقع "ناسا" لنرى بعض الاختراعات التي حسنت من أحوال البشر، أنشأت لها مجلة خاصة تعرض هذه الفوائد، ومنها ما طورته، وهذه أمثلة لها: جهاز قياس الحرارة (الثيرمومتر) الذي يعتمد على الأشعة تحت الحمراء، موجود في كل مستشفى وفي كل صيدلية وهو يستخدم للكشف . هو النوع الذي يوضع في الأذن، وهو يعمل بنفس المبدأ الذي تعتمده "ناسا" لقياس حرارة النجوم في الفضاء، حينما يسأل أحدهم ما الفائدة من معرفة حرارة النجوم البعيدة في السماء ؟ لابد أن يفهم أن لقياس درجة حرارة ومنها قامت بتطوير (الثيرمومتر الحراري، وخصوصا للأطفال، إذن، بالنظر إلى النجوم المعرفة درجات حرارتها تمكن العلماء من تطوير (ثيرمومتر) حراري يستخدمه الناس جميعًا. هذه المضخة صغيرة وتعمل لـ 8 ساعات على البطارية، بسبب العمل على (الروبوتات) والعضلات الصناعية (للروبوتات) استطاعت "ناسا" تطوير أطراف صناعية لمن بترت أعضاؤهم، وهي تقلل أيضًا من الاحتكاك بين الجسد والطرف الصناعي حتى لا يتضايق المستخدم. بسبب المركبة الفضائية (الفايكنج) التي أرسلت إلى المريخ وهبطت عليه احتاج العلماء لتطوير مظلة قوية لإنزال المركبة من غير أن تتحطم بالمساعدة من شركة جود بير للإطارات، واليوم تستخدم شركة (جود بير) هذه المواد لعجلات. السيارات حيث تمكن السيارات من السير على الشارع مسافات أطول قبل تأكل إطاراتها. وكذلك خففت من صرف المستخدم على تجديد الإطارات. بعدما أُرسل المنظار (التلسكوب) هبل إلى السماء سنة 1990 - التقط صورًا مذهلة، ذلك المنظار (التلسكوب) بدأ مسيرته بخطأ في عدسته، فحينما أرسل إلى السماء وبدأ بتصوير الفضاء، ثم اكتشف لاحقا أن هذه المشكلة نفسها (مشكلة عدم الوضوح في الصور) كانت موجودة أيضًا في صور الأشعة الملتقطة لأمراض سرطان الثدي، فتمكن العلماء من تشخيص مرض السرطان تشخيصا أفضل، لقد أنقذت "ناسا" كثيرًا من النساء من حول العالم بسبب محاولاتها لرؤية النجوم (وللعلم فإن عملية عد النجوم هي عملية إحصائية، وواحدة من الأدوات في تقدير عدد النجوم والمجرات كانت تعتمد على المنظار (التلسكوب هبل ما نعترض عليه من عد النجوم دفع العلماء للكشف عن السرطان في صور الأشعة) ناسا" تعمل على تطوير (كبسولات) لغرسها في جسم رائد الفضاء، فإذا انطلق رائد الفضاء إلى المريخ وأصابه مرض ولم يكن معه طبيب فلن يمكن تطبيبه، ثم تتفتت وتنتشر في الدم، وتعالج الجسم مباشرة ستزرع هذه الكبسولة في رواد الفضاء، إذن حينما تفكر "ناسا" في السفر في الفضاء لابد أن تفكر في علاج مشكلات السفر، يمكن معالجة الناس في الحضر. الهدف منها إصلاح التشوهات التي تلتقطها العدسات، حيث لا يمكن تحسينها لتكون دقيقة جدا في ظل وجود هذه التشوهات، والتي تؤثر على الضوء الآتي من نقاط بعيدة جدا في الكون مما يجعل تمييزها أمرا صعبا، عملت "ناسا" على تطوير مرايات يمكن التحكم بسطحها ، بحيث يتم رفع نقاط مختلفة من المرايات وخفضها لتتناسب مع تشوه العدسة فتعوض التشوه الناتج، لابد أنه في يوم ما ستنتقل مثل هذه التكنولوجيا إلى آلة التصوير (الكاميرا) التي نستخدمها شخصيا، فالكل أصبح صحفيا يحمل آلة التصوير (الكاميرا) ويصور الأحداث من حوله. وعصير تانغ». كل هذه نتجت من "ناسا" أو من خلال التلاقح العلمي بين "ناسا" مؤسسات وشركات خارجية لحاجة "ناسا" «لعد النجوم. ومن صلب السماء تكتشف قوانين رياضية وفيزيائية وهذه القوانين تطبق في كل نواحي حياتنا، المصادم الهدروني الكبير ولكن لا يعني ذلك أن المؤسسات الأخرى أقل شأنا منها، وعلى الطرف الآخر من العلم هناك مؤسسات علمية أخرى لا تنظر للنجوم، إنما تنظر إلى ما بداخل الذرة. من لا يعرف عن المصادم الهدروني الكبير؟ إنه معجل الجسيمات الموجود بين فرنسا وسويسرا صرفت المليارات من الدولارات لإنشائه، وقام على بنائه آلاف المهندسين والعلماء. 200, كل ذلك لتعجيل جسيمات صغيرة ولاكتشاف ما بداخلها، فعلا، منطق الإشباع اللحظي أو النتائج المباشرة يناسب كل من لديه ضيق أفق ونظرة قريبة المدى. ولكن نحن لا نستفيد منها مباشرة، ستجد أن الأرض وسكانها قد تقدموا مليون سنة، انتظر. توقف، ولولا النظرية لكان من المستحيل تحديد موقعك بدقة. ويعبر من شقين، كيف؟ المستقبل يؤثر على الماضي بدلا من أن يؤثر الماضي على المستقبل، ولكن ما الداعي لها ؟ ولماذا تقام عليها التجارب المليارية حتى تثبت صحتها ؟ لنصرف الأموال على إطعام الفقير لولا النظريات التي صدرت من أولئك العلماء لما كنت تحمل جهازا إلكترونيا واحدا في يدك اليوم، بها صنعت (الكمبيوترات) التي استخدمت لفهم الأمراض ولتحليلها، أضف إلى ذلك أن التناقضات التي عرفها العلماء في ميكانيكا الكم أسست مبادئ (الكمبيوتر) الكمي والذي سنرى نتائجه في السنوات القريبة القادمة، إنها ( كمبيوترات) قادرة على حساب عمليات رياضية معقدة، وبها يمكن فهم عالمنا فهما أفضل، ومنه يمكن أن نفهم المناخ وتغيره، حسابات المناخ تحتاج (لكمبيوترات) في منتهى السرعة، وتساهم في الإنتاج، إذن، حينما يتساءل الناس عن عد النجوم في السماء أو حركة الإلكترونات في الذرة، فذلك يحتاج لتسخير عدد كبير من العلماء الأذكياء القادرين على تطوير أجهزة في غاية التعقيد مثل المناظير (التلسكوبات) والأقمار• الاصطناعية والمركبات الفضائية وأجهزة القياس و الكمبيوترات)، فقد هذا الفضول . افقد حلم أمة. الأمل والطموح لماذا أنت تصلي وتصوم وتحج أو تقوم بعباداتك ؟ لأن هناك وعدًا من الله أن تدخل الجنة أو هناك وعودًا أخرى تأمل أن تحوز عليها، وكما جاء في الأحاديث الشريفة أن الجنة لا يمكن لك أو لأي أحد أن يتخيلها عوض عن الإحساس بها في الدنيا. وهذه خاصية إنسانية ترتبط بالمخ مباشرة وهناك دراسة تبين كيف أن الأمل هو الدافع وكانت كالتالي، فلاحظوا أن النسبة ترتفع قبل أن يبدأ القرد بالضغط على المقبض، (الدوبامين)) ينطلق في المخ بسبب توقعك الحصول على السعادة وليس بعد حصولك عليها، التجربة على القرد تبين أنه حينما يتوقع أن يحصل على الجائزة تفرز مادة (الدوبامين) في مخه، أي أن السعادة تحصل حينما يكون هناك طموح للحصول على الجائزة، قرر العلماء تغيير التجربة قليلا ، أعطوه الجائزة خمسين بالمئة من المرات التي يضغط بها على المقبض، وبشكل عشوائي، لم يدر القرد في أي المحاولات سيحصل على الجائزة، السبب في زيادة نسبة (الدوبامين) يعود إلى كون النتيجة غير مضمونة، فربما تحدث وربما لن تحدث، وحسب ما يقول د. روبرت سابولسكي (Robert Sapolsky) العالم في علم الأعصاب: "أنت أدخلت كلمة ربما في المعادلة، وتجعل بينهما فارقا زمنيا فإن مستويات (الدوبامين) ترتفع : عند الإنسان، فتذاكر جيدا، وتقدم اختبارات جيدة، وتقدم على جامعات جيدة إلى أن تصل إلى غاياتك في العمل في مكان تحبه. فالإنسان ينتظر طويلا على أمل الحصول على الجائزة، بينما لا تتحمل الحيوانات مدة بالطول نفسه. دعنا عن (الدوبامين)، لنتحدث عن المشاعر التي نحس بها حينما نرى النجوم، لقد راقبها الإنسان وحاول فهمها على مر التاريخ، فالإنسان بطبيعته يحب الاكتشاف، وتجعله يعمل من أجل تحقيق هذه الطموحات العالية البعيدة المنال، إذن الأمل دافع للعمل. غاص جيمس كاميرون - مخرج في هوليوود - إلى أعمق نقطة في الأرض، وهي موجودة في قاع البحر، وأتى من هناك ليخبرنا عن بعض تفاصيل ما رآه في القاع، وبكلمات بسيطة مرصعة بمشاعر إنسانية استطاع أن يرسل أمواجا من الأحاسيس حول العالم، الأحاسيس بدأت تحرك العلماء من أجل استكشاف إذا ما عدنا للكلمة التي بدأت بها: «إذا كنت تريد أن تبني سفينة، حينما نريد منه أن يقوم بمهمة، أنت تقرؤها يوميًا وإن كنت لا تقدر الجهد العظيم الذي بذله العلماء الفضوليون المكتشفون من أجل كتابة صفحاتها، القصة كتبت حينما بحث الإنسان في الأرض وفي السماء، ومع كل بحث جديد كتب صفحة جديدة.