المطلب الأول: التاريخ السياسي لجمهورية إفريقيا الوسطى أ‌. تاريخ أوبانغي شاري قبل الاستعمار. موطناً للإنسان الإفريقي القديم هوموسابينس Homo sapiens الذي تنحدر منه كل السلالات الزنجية، وفي هذا الموطن وأثناء تحرك الانسان المتواصل في هذه المنطقة بين مناطق السافانا، ومنطقة الغابات الرطبة على طول مجاري الأنهار، وُجد ما يدل على أن أفراد السلالات الزنجية القديمة قد توصلوا إلى استعمال النار والتحكم بها منذ أكثر من خمسين ألف سنة، بقيت المعلومات عن التاريخ الأحق لشعوب هذه المناطق الواقعة في وسط القارة قليلة حتى جاء الجغرافيون العرب مثل الإدريسي والمسعودي وابن بطوطة وليون الإفريقي فكتبوا عن أجزاء عدة من إفريقيا. وبعدها جاءت الكشوفات الأوروبية لإفريقيا في القرون 16 – 17 – 18م التي انتهت إلى إنشاء محطات على طول ساحل غرب إفريقيا من غانا إلى أنغولا( ). تم اكتشافها أثناء التوغل الفرنسي من برازافيل إلى بحيرة تشاد، والمشكل أساس مجتمع أكثر طبقية تتمركز على قمته الطبقة الحاكمة، وإلى صعوبة تحديد تاريخها القديم، وكما يصعب ترسيم معالم انفتاحها على العالم بدقة. وفي القرن التاسع عشر عاش الناس فيما يعرف الآن بجمهورية إفريقيا الوسطى خارج منطقة التوسع الإسلامي في المنطقة السودانية الإفريقية ليتم لهم الاتصال بينهم وبين معتنقي الديانات الإبراهيمية من الناحية الدينية، حيث كان التعامل الاقتصادي ضئيلا نسبيا في منطقة الشمال، وخلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر قام التجار المسلمون باختراق وبدء علاقات مع القادة المحليين لتسهيل التجارة وعملية الاستقرار فيها( )، وكان وصول التجار المسلمين فيها في بداية القرن التاسع عشر مسالما نسبيا وبدون استعمال العنف تجاه أبناء المنطقة وكانوا يعتمدون بشكل مباشر على دعم السكان المحليين لهم، وشعب الأزاندي في الشرق الغربي لإفريقيا الوسطى بتهجير السكان من شرق أفريقيا الوسطى بشكل دائم، قادمين من زنجبار، وامتد نفوذههم إلى أكثر من ثلث مساحة الكنغو ثم انتشروا بسرعة على كل الطرقات والقوافل، حيث بلغت درجة كبيرة من التقدم، وكذلك على اتصال بزنجبار بالطريق المباشر عبر أو جيجي، سبقته شهرته كقائد لجيش منتصر دائما، حيث كانت السمعة الشريرة للسودان تمنع أي ضابط متمرس من الأقدام للعمل في تلك المناطق النائية. أدت أول حملته الاستعمارية إلى إبرام معاهدات مع عدد من السلاطين والمشايخ في المنطقة وهي المعاهدات التي مكنت من تجريد السلطات المحلية من جميع السلطات لصالح الإدارة العسكرية، ومن ثم الإدارة المدنية للفرنسيين، والمفوض العام للكونغو يحكم الكونغو وأوبانغي معاً( ). وفي سنة 1890م واصل الرحالة بول كرامبيل (Paul Compel) الأمين العام السابق لـ برازا والبالغ من العمر ست وعشرون سنة استكشاف الكونغو إلى غاية بحيرة تشاد، هذه الحملة مولت من طرف القطاع الخاص تحت رعاية كاتب الدولة Eugéne Etienn، وبمساعدة الصحافي Harry Alis في مستعمرة الملك ليوبولد الثاني (الكونغو) أضحت المصالح الخاصة للمستعمرة اليلجيكية الدافع والمحرك للاستمعار، يرافقها المصالح العامة لدول المستعمرة الأخرى في منطقة وسط إفريقيا، حيث انتظمت وتهيكلت هذه القوى الاستعمارية في أول ديسمبر عام 1890م معلنة تأسيس حقيقي يتكون من رجال السياسة والعسكرين ورجال الأعمال. ولكن مهمة كرامبل لم تصل أهدافها المحدد لها بسبب مقتله من طرف سلطان محمد السنوسي سلطان دار الكوتي في عام 1891م وعلى إثرها تم تعيين المهندس الزراعي Jena Dybowski المكلف من طرف تنظيم لجنة إفريقيا الفرنسية من أجل تقوية مستعمرات كرامبل للانتقام من مقتله ومن المسلمين في مبوكو (Mpoko)( ). يعد موضوع تأثير الميراث الاستعماري على تأجيج الصراعات في جمهورية إفريقيا الوسطى من أهم الموضوعات التي تساهم في فهم الأسباب الرئيسية لهذه الصراعات ومن هنا تسعى الدراسة لعرض أهم الدراسات والممالك والسلطات الإفريقية قبل الاستعمار لتسليط الضوء وتأثير الاستعمار على تأجيج الصراعات في جمهورية إفريقيا الوسطى. - الممالك والسلطنات الإفريقية قبل الاستعمار: وعن طريق هذه العلاقات التجارية بدأت الدعوة الإسلامية منذ القرن الثالث الهجري؛ لذلك تأثر شمال جمهورية إفريقيا الوسطى بالممالك الإسلامية التي شهدتها هذه المنطقة بينما تأثر جنوبها بالممالك المسيحية الوثنية( ). - السلطنات الإسلامية في وسط إفريقيا قبل الاستعمار: وتقع هذه السلطنة الإسلامية في شمال البلاد تقريبا من حدود تشاد والسودان، فساهموا بشكل كبير في نشر الإسلام، وتنتشر بعض الديانات الوثنية بين القليل من السكان، فقد ظهرت في القرن السادس عشر الممالك الأولى وهي: مملكة غوغا(Gaoga) مملكة أنزيكا (Anzica)، فهي سلطنات السنوسي في الشمال الشرقي، فهي على مستوى التقدم في إقليم وسط إفريقيا كحالة بعض الأقاليم الإفريقية( ). 1. سلطنة دار الكوتي: سلطنة دار الكوتي هي مقاطعة تقع في الشمال الشرقي من جمهورية إفريقيا الوسطى، ويرجع تسمية دار الكوتي أو بلد الكوتي إلى كلمتين إحداهما عربية (دار) والأخرى كوتي بمعنى (القوية) باللغة المحلية الرونغا، وداي، وكار) ومن خارجها مما جعلها قبلة للمغامرين من باحثي عن الثروة والربح من جميع المناطق المختلفة، حيث تأسست إمارة الكوتي في منتصف الفترة الأولى من القرن الثامن عشر في إقليم وداي الموجودة حاليا في دولة تشاد، أوكا بامنغي، حيث وصفه البروفسور "برنار سبتي" في كتابه(Dar-Kouti, Empire oubnguin de Senouussi 1890-1977. بالوجه اللعين والقبيح للاستعمار الفرنسي لمقاومته في إفريقيا الوسطى، حيث قبل دخول الاستدمار الفرنسي بمقاومة كبيرة ونشطة معادية له في بلاد تشاد، ومع وجود إمارات وسلطنات منظمة جيدا ذات ولاءات، وامتداد فكري بالسنوسية متأثرة كثيرا بها حيث تتواجد هذه الامارات في منطقة الواحات. 2. من السودان بقيادة Joalland Meynier 3. من غرينيغي واد شاري بقيادة Gentil وبعد مقتل رابح في 22 أبريل من عام 1900م في كسري، قام ما يسمى بدعاة الحضارة الفرنسيين بقطع رأسه والطواف به في المدن التشادية، لم تسقط راية المقاومة بعد مقتل رابح فتسلمها من بعده ابنه فضل الله وحفيده عبد الله واستمر جهادهم 40 عاما بعد وفاة رابح في 1900م( ). وأبرم معاهدة أخرى في عام 1908م، وتشمل على حضر الغارات والسماح له بشراء العبيد وهو النشاط الذي يمارسه السلطان، ومع تقديم مبلغ من المال كضرائب. وبعد عشرين سنة من مقتل رابح بن الفضل، واحتل قصره المسمى بـ "تاتا" Tata. وفي عام 1911م سدل الستار على أحد الإمارات الاسلامية في إفريقيا الوسطى التي حاربت التواجد الفرنسي الاستعماري في وسط إفريقيا، في عام 1887م جاءت جيوش المستعمرين بقيادة فان جيلي (Van Gele) لغزوة قبيلة بانجزري لصيدهم، وحصلوا على غنيمة من الأسلحة وغيرها( ). ‌ب. عقب فشل جنود فان جيلي أمام جنود قبيلة بانجزري بقيادة أندايو قرر المجلس العسكري الفرنسي حينئذ أن يتعاون معهم ليتعرفوا على أسرار جنود قبيلة بانجزري، ومن ثم استخدام هذه المعاهدة لقتال القبائل التي دخلت الاسلام في شمال الدولة لذلك عاد فان جيلي في عام 1889م للتوقيع على معاهدة للتعاون الثنائي مع أندايو وشاركت معظم قبيلة ياكوما في خدمته. أنظر ملحق رقم (2) للقائد ياكوما-ابقكوا ويتمثل هذا التبادل في المفاوضات التي تمت مع الحكومة الفرنسية في باريس، وتم اللقاء مع رئيس فرنسا، وقد شارك في هذا الوفد كل من الجاج تكر وأزرق الممثل للسلطان سنوسي، وانتهت بتوقيع اتفاق يجعل سلطنة دار الكوتي تحت حماية فرنسا وفقا للنظام القانوني الذي يتميز بالحماية التي توفرها الدولة القوية للدولة الضعيفة بموجب الاتفاقية ثم قتل أخيرا على أيدي الفرنسيين عام 1911م( ). ‌ج. التاريخ السياسي لجمهورية إفريقيا الوسطى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حدث تغير في بنية المجتمع الدولي حيث أصبحت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي قوى عظمى، وهذا ما عزز من ضغط المجتمع الدولي على القوى الاستعمارية لتصفية استعمارها خاصة بعد ما تلقت حركات التمرد والثورات الدعم من الكتلتين في شكل حروب بالوكالة، وتنقسم القبائل والمجموعات الدينية وهذا ما حدث في جمهورية إفريقيا الوسطى حاليا، وعليه ظهرت مشكلة الأقليات ذات الأنماط المتبادلة ومنها على أساس ديني، وعرقي، وقبلي، وبالتالي نشبت العديد من الصراعات والحروب الأهلية على تلك الأسس. ) بدأ التطور السياسي للبلد قبل الاستقلال في عام 1946م وقت إصدار الدستور الفرنسي الرابع. وقد نص على إنشاء نظام المجالس الذي سمح للنواب المنتخبين في الأقاليم الفرنسية بحضور جلسات المجلس الثاني من مجلس البرلمان في العاصمة، وبفضل هذا القانون أسس إقليم أوبانغي - شاري مجلسه الإقليمي بعد انتخابات في عام 1957م حصلت حركة التطور الاجتماعي في إفريقيا (ميسان) وهي حزب السيد بارتيلمي بوغاندا محافظ بانغي وممثلها في مجلس النواب على كافة المقاعد. فأصبح هو الحزب المهيمن من عام 1946 إلى 1959 وهو الأمر الذي أعطى في 16 فبراير 1959م جمهورية إفريقيا الوسطى دستورها الأول الذي اعتمده المجلس التشريعي. وقد كرس إصدار هذا الدستور بصورة نهائية مركز جمهورية إفريقيا الوسطى في إطار الرابطة الفرنسية. لكن لم يكتمل مشروع الرئيس بارتيلمي بوغاندا فقد وافته المنية فجأة في 29 مارس 1995. ( ) لقد تميز الوضع السياسي في جمهورية إفريقيا الوسطى منذ استقلالها سنة 1960م بعدم الاستقرار السياسي نتيجة الانقلابات العسكرية العديدة وتغيير الدساتير باستمرار، الأمر الذي انعكس سلبا على الأوضاع الاجتماعية للبلاد وأدخلها في اضطرابات وصراعات مسلحة تميز ظاهرها بطابع سياسي إلا أنها لم تلبث أن تحولت إلى صراعات إثنية ودينية بين السكان زادت تأزماً للهوية الوطنية في جمهورية إفريقيا الوسطى( ). وفي منتصف القرن التاسع عشر دخلت الدول الأوربية بكل ثقلها في الميدان الإفريقي لتتسابق وتتصارع من أجل تقاسم مناطق النفوذ، فبعد أن أنهت القوات الفرنسية احتلالها لأراضي الكونغو برازافيل على الساحل الغربي للقارة في عام 1880م، اندفعت إلى داخل القارة باتجاه الشمال الشرقي على طول مجرى نهر الكونغو ورافده الأوبانغي، لتضم في عام 1889م كل هذه الأراضي الداخلية الواقعة ضمن حوضي الأوبانغي وشاري إلى الممتلكات الفرنسية. ومنذ ذلك الحين ارتبط تاريخ هذه المنطقة بتاريخ الاستعمار الأوربي للقارة الإفريقية. كما ارتبط مصيرها بما أحاط بهذا الاستعمار من تطورات في المناطق التي كانت سابقاً مستعمرات ومناطق نفوذ، في سنوات نزولهم الأولى على الشواطئ الإفريقية الغربية، كان البحث عن الذهب وجمع العاج وسوق الزنوج إلى أسواق تجارة الرقيق. وقد نتج عن هذا التسابق مواجهات ونزاعات سياسية لم تنته حتى اليوم، كمؤتمر القمة الذي عقد في مدينة بانغي في شهر مارس من عام 1975 وحضره الرئيس الفرنسي ديستان وممثلون عن 13 دولة إفريقية من منظومة الفرنك، التي كانت هذه النزاعات أحد أسبابها، قد مكنت من وضع خريطة جديدة للقارة تقاسم المنتصرون بموجبها المناطق فيما بينهم. وتظهر الخرائط التي تمثل الأوضاع السياسية في إفريقية في عام 1924 احتواء الحصة الفرنسية لمناطق أوبانغي وشاري. وعلى الرغم من استيقاظ الشعور القومي الإفريقي في هذه المستعمرات، فقد بقي تطور الأوضاع السياسية في مستعمرة أوبانغي وشاري بطيئاً، وبقيت حتى قيام الحرب العالمية الثانية ترزح تحت نير الاحتلال الفرنسي. ففي عام 1946 صدر الدستور الفرنسي الجديد وفيه تغيير لسياسة فرنسا في المستعمرات، فبدلاً من الوضع السابق أصبحت هذه المستعمرات أجزاء من فرنسا وراء البحار. إلا أن تغاير الأوضاع الاقتصادية واختلاف النمو الاقتصادي في أعضاء هذا الاتحاد قد عجل بإخفاقه. فحل وأبدل بشكل جديد تحت اسم المجموعة الفرنسية Communauté Française التي كانت لا تمثل في الحقيقة إلا رابطة ضعيفة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة، لذلك لم تلبث هذه المجموعة أن تحولت إلى دول ذات استقلال ذاتي نتيجة لاستفتاءات شعبية تمت فيها، ولمعاهدات أبرمت بينها وبين فرنسة لتحديد العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية( ). وقد شجعت هذه التغيرات في السياسة الفرنسية زعيم أوبانغي ـ شاري الوطني (آبي بارتيملي بوغاندا) على الإقدام على تأسيس جمعية زراعية إفريقية في عام 1946، وفي عام 1958 استبدل بالاسم القديم للمستعمرة «أوبانغي ـ شاري» الاسم الجديد «جمهورية إفريقيا الوسطى». ونصب دافيد داكو، أحد أقرباء الزعيم بوغاندا، ولم تمض على حكم داكو إلا مدة قصيرة حتى أطاح به انقلاب عسكري مفاجئ قاده في عام 1966 جان بيديل بوكاسا، وقد مرت البلاد في عهد بوكاسا بمرحلة من عدم الاستقرار دامت حتى أواخر السبعينات، ثم مارشالاً في عام 1974. وفي عام 1976 أعلن قيام امبراطورية إفريقية الوسطى بدلاً من الجمهورية. وقد أصحب هذه الفوضى في الحكم بلبلة وغموض في السياسة الخارجية، فبعد أن اتجه بوكاسا في بدء حكمه نحو الغرب، ولاسيما نحو باريس. ثم بعد أن تقرب من الجمهورية العربية المتحدة ومن السودان،