تمتد الحضارة العربية الإسلامية من منتصف القرن السابع الميلادي وحتى نهاية القرن الرابع عشر تقريباً. بدأت هذه الحضارة بالتكوين والازدهار مع انتشار الإسلام، وشملت الآداب والأخلاق والفلسفة والمنطق، كما أحدثت تأثيرات خاصة في الحياة السياسية والاجتماعية والعلاقات الدولية. وقد اقتضت الأوضاع الجديدة التي أحدثتها الفتوحات العربية الإسلامية الاهتمام بدراسة أحوال الناس في البلاد المفتوحة وسبل إدارتها، حيث أصبح ذلك من ضرورات التنظيم والحكم. برز العرب في وضع المعاجم الجغرافية، مثل معجم البلدان لياقوت الحموي، وإعداد الموسوعات الكبيرة مثل "مسالك الأمصار" لإبن فضل الله العمري، و "نهاية الأرب في فنون العرب" للنويري. تميزت هذه الكتب الموسوعية بالاعتماد على المشاهدة والخبرة الشخصية، مما جعلها مادة خصبة من ناحية المنهج الأنثروبولوجي في دراسة الشعوب والثقافات الإنسانية. تخصص البعض في وصف إقليم واحد، مثل البيروني الذي عاش بين (٣٦٢) ٤٤٠ هجرية ووضع كتاباً عن الهند بعنوان "تحرير ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة". وصف فيه المجتمع الهندي بما فيه من نظم دينية واجتماعية وأنماط ثقافية، واهتم أيضاً بمقارنة تلك النظم والسلوكيات الثقافية، بمثيلاتها عند اليونان والعرب والفرس. وأبرز البيروني في هذا الكتاب، حقيقة أن الدين يؤدي الدور الرئيسي في تكبيل الحياة الهندية، وتوجيه سلوك الأفراد والجماعات، وصياغة القيم والمُعتقدات. كانت رحلات ابن بطوطة وكتاباته خصائص ذات طابع أنثروبولوجي، برزت في اهتمامه بالناس ووصف حياتهم اليومية، وطابع شخصياتهم وأنماط سلوكاتهم وقيمهم وتقاليدهم. فمما كتبه في استحسان أفعال أهل السودان: "فمن أفعالهم قلة الظلم فهم أبعد الناس عنه وسلطانهم لا يسامح أحداً في شيء منه ومنها شمول الأمن في بلادهم، فلا يخاف المسافر فيها ولا المقيم من سارق ولا غاضب. ومنها عدم تعرضهم لمال من يموت في بلادهم من البيضان البيض والأجانب ولو كان القناطير المقنطرة، وانما يتركونه بيد ثقة من البيضان حتى يأخذه مستحقه". أما كتاب ابن خلدون "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" فقد نال شهرة كبيرة وواسعة بسبب مقدمته الرئيسة وعنوانها: "في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والمصانع والعلوم، وما لذلك من العلل والأسباب". وتعتبر هذه المقدمة عملاً أصيلاً في تسجيل الحياة الاجتماعية لشعوب شمال أفريقيا ولا سيما العادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب بعض المحاولات النظرية لتفسير كل ما رآه من أنظمة اجتماعية مختلفة. وقد شكلت موضوعات هذه المقدمة - فيما بعد - اهتماماً رئيسياً في الدراسات الأنثروبولوجية. ومن أهم الموضوعات التي تناولها ابن خلدون في مقدمته، والتي لها صلة باهتمامات الأنثروبولوجيا، هي تلك العلاقة بين البيئة الجغرافية والظواهر الاجتماعية. فقد رد ابن خلدون - استناداً إلى تلك الدعامة - اختلاف البشر في ألوانهم وأمزجتهم النفسية وصفاتهم الجسمية والخلقية، إلى البيئة الجغرافية التي اعتبرها أيضاً عاملاً هاماً في تحديد المستوى الحضاري للمجتمعات الإنسانية. كما تناول ابن خلدون في مقدمته أيضاً، مسألة قيام الدول وتطورها وأحوالها، وبلور نظرية دورة العمران بين البداوة والحضارة على أساس المماثلة بين حياة الجماعة البشرية وحياة الكائن الحي. وقد سيطرت هذه الفكرة على أذهان علماء الاجتماع في الشرق والغرب - على حد سواء - في العصور الوسطى.. حيث اعتبر ابن خلدون أن التطور هو سنة الحياة الاجتماعية، وهو الأساس الذي تستند إليه دراسة الظواهر الاجتماعية.