برز القانون الدولي الجنائي كاستجابة طبيعية لتزايد الجرائم الخطيرة التي تمس المجتمع الدولي، خاصة تلك التي تهدد السلم والأمن الدوليين وتنتهك حقوق الإنسان بشكل جسيم. تأثر خلالها بطبيعة العلاقات الدولية السائدة، خاصة فيما يتعلق بمسألة إخضاع الأفراد للمساءلة الدولية، وكذا العراقيل التي حالت دون تكريس المسؤولية الجنائية الدولية الفردية في بداياته. على الرغم من أن فكرة معاقبة الأفراد على انتهاكات خطيرة للقانون الدولي تعود إلى قرون (مثل محاكمة بيتر فون هاجنباخ عام 1474)، إلا أن المجتمع الدولي واجه صعوبات كبيرة في تأسيس هذه المسؤولية بشكل دائم ومنتظم. اولا : المراحل التي مرّ بها تطور القانون الدولي الجنائي: حيث اقتصر التعامل مع الجرائم الدولية على مبادرات محدودة ذات طابع أخلاقي، وشهدت تحوّلاً نوعياً بإنشاء محاكم دولية خاصة، والتي كرّست مبدأ مساءلة الأفراد عن الجرائم الدولية، من خلال إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، التي أسهمت في تدعيم العدالة الجنائية الدولية وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب. ثانيا: العوائق التي حالت دون تكريس المسؤولية الجنائية الدولية الفردية : • السيادة المطلقة للدول (مبدأ سيادة الدولة): كانت الدول تعتبر أن الأفراد لا يمكن أن يكونوا مسؤولين دولياً، والمسؤولية تقع فقط على عاتق الدولة ككيان سيادي. تقوم العلاقات الدولية على مبدأ أن الدول متساوية في السيادة، ولا يحق لدولة أو هيئة دولية محاكمة أفراد دولة أخرى دون موافقتها. كان اعتبار الجرائم "داخلية" تختص بها القوانين الوطنية يمنع أي تدخل دولي. كما أن حصانة كبار المسؤولين (رؤساء دول، • غياب الإرادة السياسية: لم تكن هناك رغبة سياسية كافية لدى الدول للتعاون في إنشاء نظام قضائي جنائي دولي فعال. مما يدل على غياب إطار قانوني دائم ومستقر. مثل غياب آلية قضائية دولية دائمة قبل إنشاء المحكمة الجنائية الدولية عام 1998، لم تكن هناك محكمة دولية دائمة. كل المحاولات كانت مؤقتة ومحددة (كمحاكم نورمبرغ وطوكيو بعد الحرب العالمية الثانية، • مشكلة التطبيق بأثر رجعي: مبدأ قانوني أساسي ينص على "لا جريمة ولا عقوبة بدون قانون سابق". في بداية نشأة القانون الدولي الجنائي، مما وفر لهم نوعاً من الحماية القانونية التي أعاقت تحقيق العدالة أو أنها تستهدف الدول الضعيفة والفقيرة بينما تفلت الدول القوية. • صعوبة تجريم فعل الدولة في هيئة عمل فردي: الفعل الإجرامي الدولي (كالعدوان أو الإبادة الجماعية) هو غالباً نتاج سياسة دولة وآلة بيروقراطية وعسكرية ضخمة. ثانيا: توضيح عدم إدراج جريمتي المخدرات والفساد ضمن صور الجريمة الدولية في نظام روما : تمثل الجريمة الدولية إحدى أخطر الظواهر القانونية التي تواجه المجتمع الدولي، لما لها من آثار تتجاوز حدود الدول وتمس القيم الإنسانية المشتركة. غير أن هذا التحديد لم يشمل كل الجرائم، وهو ما يثير التساؤل حول طبيعة الجريمة الدولية وخصائصها وأركانها، -مفهوم الجريمة الدولية الجريمة الدولية هي كل فعل غير مشروع يشكل خرقاً جسيماً لقواعد القانون الدولي، ويترتب عنه قيام مسؤولية جنائية دولية على عاتق مرتكبه، - خصائص الجريمة الدولية: أبرزها خطورتها الاستثنائية، -أركان الجريمة الدولية: ترتكز الجريمة الدولية على ثلاثة أركان أساسية، تشمل الجرائم الدولية عدة صور، إضافة إلى جريمة العدوان، وهي جرائم تمس بشكل مباشر السلم والأمن الدوليين. وجريمة العدوان. وهي أربع جرائم فقط (ما يعرف بـ "جرائم القلب": 4. جريمة العدوان للأسباب التالية: • 1. معيار "التهديد للسلم والأمن الدوليين" بينما: ضررها الأساسي يقع على الأفراد والمجتمعات، لكنها لا تهدد السلم العالمي بنفس الدرجة التي تهددها الحرب أو الإبادة. • - الفساد: هو جريمة اقتصادية ومالية خطيرة تقوض التنمية وحكم القانون، لكن ضررها الأساسي يقع على مؤسسات الدولة واقتصادها، • الاختصاص التكميلي: المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة "ملاذ أخير"، وتختص بالجرائم التي تفشل النظم القضائية الوطنية في معاقبة مرتكبيها. كان هناك إجماع واسع على أن الجرائم الأربع هي أخطر الجرائم. فقد اختلفت الدول: - جرائم المخدرات: بعض الدول (خاصة المنتجة أو العابرة) رأت أنها لا ترتقي لمستوى جرائم النظام الأساسي، • - الفساد: هناك معاهدة دولية مستقلة لمناهضة الفساد (اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد 2003) وآليات رقابة خاصة بها. إدراج الفساد في المحكمة الجنائية الدولية كان سيثقل كاهلها ويحولها من محكمة للجرائم الكبرى إلى محكمة لمكافحة الفساد، إخلاء مسؤولية: هذا الحل هو لأغراض تعليمية فقط وقد لا يكون بديلاً عن الاستشارة القانونية المتخصصة. 3. معيار "الطبيعة المنظمة والظرفية" الجرائم الأربع في نظام روما الأساسي لا تُرتكب بشكل فردي عشوائي، بل ضمن سياق واسع ومنهجي: بينما جرائم المخدرات والفساد، الخلاصة: الإبادة،