ملامح حركة إحياء التراث المعاصرةلا بد قبل تناول الموضوع من تحديد معنى التراث لغة واصطلاحاً ، مع ملاحظة ما أحاط الاصطلاح من المعاني والظلال الحديثة المتأثرة بالثقافة الغربية ومصطلحاتها الحضارية .التراث لغة : ما يخلفه الرجل لورثته ، وأصله ورث أو وراث ، فالتراث والإرث والورث مترادفة . هكذا قال ابن الأعرابي ومن بعده ابن سيده ، وقيل : الوِرْتُ والميراث في المال ، مما يشير إلى الميراث الثقافي ؛ لأن الحسب هو مفاخر الآباء وشرف الفعال التي يرثها الأبناء ويتغنون بها . وقد اعتبر الزمخشري هذا الاستعمال الأخير لكلمة «الإرث من قبيل المجاز" وقد وردت كلمة : التراث : في القرآن الكريم مرة واحدة بمعنى الميراث في الآية الكريمة : [ ١٨٣/٣٠كذلك وردت في السنة بمعنى الميراث كما جاء في الدعاء ، ولك رب تراثي (٣) ، وحديث الثناء على المؤمن العابد قليل الحظ من الدنيا ففي آخره : ( وكان عيشه كفافاً فعجلت منيته وقلت بواكيه وقل ترانه ، قال الإمام أحمد : ترانه : مير اله» وهو يشمل المال والأحساب ، وقد ورد في القرآن للدلالة على الميراث الدينيوالثقافي كما في قوله تعالى في دعاء زكريا عليه السلام :يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ( مريم : ٦ ) ( فإنه يعني وراثة النبوة والعلم والفضيلة دون المال ، فالمال لا قدر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه.ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) فاطر : ۳۲ ) . فالمقصود هنا وراثة الاعتقاد والإيمان بالكتب المنزلة قبل القرآن) » ، فلما انطلقوا إلى المسجد اندهشوا إذ لم يجدوا سوى حلق الذكر وتلاوة القرآن . فأوضح لهم أبو هريرة رضي الله عنه أن هذا هو ميراث محمد ) وبذلك يتبين أن التراث في لغة العرب معناه الميراث ، وأنه يطلق على وراثة المال والحسب والعقيدة والدين فالتراث الإسلامي هو ما ورثناه عن آبائنا من عقيدة وثقافة وقيم وآداب. وفنون وصناعات وسائر المنجزات الأخرى المعنوية والمادية ، ومن ثم فلن يقتصر التراث على المنجزات الثقافية والحضارية والمادية بل إنه يشتمل على الوحي الإلهي ( القرآن والسنة ( الذي ورثناه عن أسلافنا ،وعندما نتبنى هذا التعريف الشامل للتراث ؛ فإن النظرة إليه والتعامل معه لن يكون واحداً ، إذ أن الوحي الإلهي لا يقبل الانتقاء والاختيار منه أو محاولة تطويعه للواقع ، بل هو إطار يحكم الحياة ؛ ولكنه يدعها تتطور داخله ، فإذا انفلتت خارجه فقد وقع انحراف لا بد من تقويمهوقد حذر القرآن نفسه من محاولة الانتقاء هذه :أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدَّ الْعَذَابِ ) البقرة : ٨٥ ) .وأما المنجزات البشرية الحضارية والثقافية فإنها قابلة للانتخاب