تأتي هذه الشبهة في مقولة تُظهر صاحبها في صورة المكتفي بالقرآن مصدراً للحجة والاستدلال، فإذا استدللتَ لحكم شرعي بدليل من السنة النبوية قذف بهذه المقولة في وجهك، مدّعياً كفاية القرآن في إقامة الدين دون الحاجة إلى مصدر آخر، وقد يُعضِّد صاحب هذه المقولة مقولته ببعض الأدلة القرآنية كمثل قوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لَكُلَ شَءٍ) [النحل: ٨٩]. أو قوله سبحانه: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَٰبِ مِن شءٍ ) [الأنعام: ٣٨]. وإذا دققتَ النظر يسيراً في طبيعة هذه المقولة، لكن في صورة نبوءة تكشف عن انحراف قائلها، من حديث أبي رافع فل، أن النبي ا قال: «لا ألفينَ أحدكم مُتكئا على أريكته ، يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)» (١). وهي مقالة لئيمة تُظهر تعظيم القرآن، وباطنها الإزراء بمقام النبي 3. إلا أنها تزيد من إيمانه بصدق نبيه إذ تنبّا بوقوع هذا الانحراف. ومما يرفع إشكال هذه الشبهة إدراك ثلاث حقائق شرعية: الحقيقة الأولى: أن القرآن الكريم حجة، وهو ما أشار إليه النبي # في روايةِ أخرى للحديث السابق، حيثقال *: «ألا هل عسى رجلٌ يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وإنَّ ما حرَّم رسول اللٰه كما حرَّم الله)» (١). وقد بيَّن النبي مأخذ كون ما حرمه كما حرم الله، فقال في رواية: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ ينثني شبعانَ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلالِ فأحلوه، فما حرمه رسول اللٰه ( هو كالمحرم بالقرآن، ومبعث هذا أن أقوال النبي * فالنبي قلا قد أوتي القرآن وأوتي السنة أيضاً. ومن دلائل هذا في القرآن قوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ((٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحَىّ يُوحَى ) [النجم: ٤ ، فهذه دلالة ظاهرة على أن كل ما يصدر عن النبي هلا هو وحي، وهذا يعني حجيته ولزومه على الناس. ومن غريب الاعتراضات قول بعضهم: إن المقصود ما ينطق به النبي ( من القرآن إذ مقتضاه أن ما ينطق به النبي * عُرضةٌ وهو طعن ظاهر في مقام نبوته فا وعصمته. فإن قيل: فهو قول بعض المفسرين في تفسير الآية، فباعثكم على هذه الدعوى مخاصمة السنة، وأما همفمتفقون على وجوب الالتزام بالسنة وأنها وحي، وهو ما يظهر في تفسيرهم لحجج وجوب طاعة النبي ك، فاللازم لاحق بكم إذ هو حقيقة قولكم دونهم. إذ عامة من ذكر القرآن في مقام التفسير هنا ذكره للتنبيه على بعض ما تشتمل عليه الآية، لا أنه قصد انحصار الدلالة فيه، فالخلاف هنا ليس خلاف تضاد بل خلاف تنوع، كاختلاف الأئمة في تفسير الصراط من سورة الفاتحة. وما يحتمل أن يكون من رأي مفسر ترجيحاً فإنما هو ترجيح مبني على قرائن وبواعث مخالفة لبواعثكم، ومخالفته قول كثير من المفسرين، فهو غير نافع في سلب السنة حجيتها، إذ جميع علماء الأمة من زمن النبوة حتى اليوم متفقون قطعاً على أن السنة وحي، وأنها حجة في تقرير الأحكام الشرعية، وهو ما سيظهر قطعياً فيما يلي الحقيقة الثانية: أن الله تعالى أكد في القرآن أن المنزل على النبي لا ليس القرآن وحده، بل أنزل معه شيئاً آخر جاءت تسميته فيه بالحكمة، قال تعالى: (وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكْن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: ١١٣]. وقال سبحانه: (لَقَدْ منَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَتَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَثْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُرَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: ١٦٤]. وقال تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللّهِ وَالْحِكْمَةِ) [الأحزاب: ٣٤]. فالمنزل على النبي * هو الكتاب والحكمة، ودوره * هو تعليم الناس الكتاب والحكمة، وهذه الحكمة ليست هي عين القرآن، فإن ما بلَّغه النبي ه للناس لا يخلو أن يكون من كلام الله تعالى (الكتاب) أو شيئاً من كلامه (الحكمة =السنة ) وشواهده في كتاب الله، كثيرة جداً، وهي تكشف عن دلالة قطعية مؤكدة على حجية سنة النبي ل ويمكن أن نجمل هذه الدلائل باختصار شديد فيما يلي: ١) الأمر الصريح بوجوب طاعة النبي لا : وقال الله تبارك وتعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآنُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكْمْ تُرْحَمُونَ ) [النور: ٥٦]. وقال اللٰه سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَسْولِ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ ) [النساء: ٦٤]. وقال اللٰه عز وجل: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخْذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ ٨ الْعِقَابِ) [الحشر : ٧]. ٣) بيان ما في طاعة الرسول لا من الأجر والثواب في الآخرة: قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاس إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إلّةَ إلَّا هُو يَحْي وَيُمِيتُ قَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسْولِهِ النّبِي الأُمِيِ الَّذِى يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّغَمْ تَهْتَدُونَ) [الأعراف: ١٥٨]. وقال عز وجل: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسْولَ النَّبِيَّ الأَمِيَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيْجِلُّ لَهُمُ الطّيِّبَاتِ وَبُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِتَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَعْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا ١٥٤ مجِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أَنزِلَ مَعَهُ أُوْلَبِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ) [الأعراف: ١٥٧]. خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [النساء: ١٣]. وقال تعالى: ( قُلْ إن كُنتُمْ تُجِبُونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: ٣١]. قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمْ) وقال سبحانه: ( وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعْدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا } النساء: ١٤]. وقال عز وجل: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ١١٥]. وقال سبحانه: ( يَوْمَيِذٍ يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوا الرَّسُولَ لَوْ تُسْوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) [النساء : ٤٢]. وقال تعالى: (إنَّ الَّذِينَ يُحَادُونَ اللَّه ورسوله أولئك في الاذلين) ٥) نفي الخيار عن المؤمنين إذا صدر حكم من رسول الله لل قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ٦) بيان أن المعرض عن سنته واقعٌ في النفاق: قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء: ٦١]. ٧) حرمة التقديم بين يدي سنته للك: قال تعالى: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنْوا لا تُقَدِمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عليم ) ٨) الأمر بالرد إلى الرسول ف عند التنازع: قال تعالى: (فَإن تَنَازَعْتُمْ فِى شَءٍ فَرُدُوهُ إلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ ٩) الأمر بالتأسي والاقتداء بالنبي لا. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الأخِرَ) الأحزاب: ٢١]. وقال سبحانه: (فَآمِنْوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأَتِيِ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَذْونَ) [الأعراف: ١٥٨]. فهذه حقائق قرآنية قطعية في وجوب الأخذ بسنته ك، فمن يؤمن بالقرآن حقاً ليس له مناص من اتباع سنة النبي لا، إذ تواتر فيه الأمر بوجوب طاعة النبي لا وبيان أنها من طاعته سبحانه . فإن قيل : إنما المقصود طاعته بالأخذ بما جاء في القرآن ، فإذا أمر بما فيه فتجب طاعته . فيقال: إذا كانت طاعته محصورة في المنصوص في القرآن، فكل من أمر بشيء أوجبه القرآن وجبت طاعته، الدلالة العقلية: لدينا هنا ثلاثة مسارات عقلية تدل بالضرورة على كون السنة وحي محتج به، وأنه لا يصح الاستغناء عنها بذريعة كفاية القرآن وحده:المسار الأول: عدم إمكانية إقامة الدين قطعاً دون اعتبار سنة النبي ويمثّل هذا الاحتجاج العقلي أحد الاحتجاجات العلمية المبكرة المستعملة في دفع شبهة مدّعي الاكتفاء بالنص القرآني، حيث جاء عن عمران بن حصين في مخاطبة رجلٍ وقع في ذات هذا الإشكال، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله تعالى مفسراً؟ إن كتاب الله أحكم ذلك، يوضح أن من ينكر سنة النبي * سيكون عاجزاً عن أثبات الدليل على مسرد طويل جداً من الأحكام الشرعية القطعية، غير أن بيانها قد جاء في السنة. وربما يقول قائل هنا: إن هذه الأمور من قبيل المتواتر العملي عند الأمة فيجب الأخذ بها. فالجواب: أن هذا الاعتراض في الحقيقة نقضّ لكلام مدّعيه، لأنه نسي أن دعواه هنا تقوم على حصر الحجية في القرآن وحده، فإذا احتج بالمتواتر العملي فقد تجاوز الاحتجاج بالقرآن، وإذا خرج عنه فقد أقرّ على نفسه بأن دعواه باطلة. إذ الدين لا يتلقى من غير سبيله. فيقال: فالمتلقى عنه 38 إما أن يكون شيئاً من كلام اللّٰه وهو ما نقله للأمة من القرآن، وما دامت هذه الأحكام العملية المتواترة للأمة غير موجودة في القرآن فيلزم أن تكون من السنة ، فحصل المطلوب . أن سنة النبي # هي خير معين على فهم كتاب الله تعالى، فالنبي كلا أعلم البشر ومن أدواره ا بيان معاني القرآن، قال الإمام أحمد في أصول السنة: «والسنة عندنا آثار رسول الله كلك، والسنة تفسر القرآن»(١). وقال عبد الرحمن بن مهدي: «الرجل إلى الحديث أحوج منه إلى الأكل والشرب. ومن جميل الآثار المنقولة المؤكدة لهذا المعنى ما جاء عن أيوب السختياني أن رجلاً قال لمطرف بن الشخير - وهو من كبار التابعين -: لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال له مطرف: «والله ما نريد بالقرآن بدلاً، إذ قد جاء الأمر من بابه، بل الطعن في القرآن، وذلك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن النبي ( تناول بالذكر أموراً ليست في القرآن، فقد تواتر عنه ا أنه تحدث عن مغيبات ماضية ومستقبلية وآنيّة، كما سنَّ الكثير من التشريعات والأحكام، لأنه ك قد تحدث فيها بكلام كثير جداً وليس له مستند في القرآن، فعلى أي شيء يحمل كلامه عليه الصلاة والسلام في هذه الأمور ما دام أن قوله فيها ليس بحجة؟ وتأكيداً لهذه المسألة، نستعرض مثلاً واحداً فقط مما هو داخل في هذا الشأن مما جاءت الإشارة إليه في القرآن لثلا ينازعنا الخصم في وقوعه قطعاً، وهو ما تواتر من شأن النبي 1 والمؤمنين معه أنهم كانوا يستقبلون بيت المقدس في صلواتهم في أول الأمر حتى أمرهم الله تعالى باستقبال الكعبة، فقال تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَتَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا قَوَلَ وَجْهَكَ شَظرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْتُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا وَجُوهَكُمْ ع لشظره) [البقرة: ١٤٤]. وليس في القرآن أمرٌ باستقبال قبلةٍ سابقة على الكعبة لتجيء هذه الآيات القرآنية ناسخة له؟ الوجه الثاني: لو كانت السنة غير واجبة الاتباع، بل ضال من يتبعها، لوجب أن نجد في القرآن ما يوضح هذا الأمر المهم حتى يعرف الناس دينهم، بل وجدنا فيه ما يخالف ذلك من الأمر باتباع النبي ، وبيان فضل ذلك وبركته، وعلى هذا سار صحابة النبي الذين نقلوا لنا هذا الدين فاعتمدوا سنة النبي واتفق عليه المسلمون من بعدهم، فالقول بأن السنة ليست بحجة يعني أي الشريعة كانت ملبسة على الناس ولم تبيّن لهم الحق، بل ضللتهم عنه . من اللوازم الخطرة التي تكشف بشاعة هذه المقولة وشناعتها، أنها في الحقيقة لا تخرج إخراج النبي لا نفسه من دائرة المخاطب بها، بمعنى أن صاحبها لو كان في زمن النبوة وكافحه النبي ا بالأمر مما ليس في القرآن نصاً، إذ هو مع ما يتضمنه من سوء الأدب مع النبي كد، ومبادرته إلى العصيان، يتضمن تناقضاً كبيراً، إذ كيف يصح أن يردّ أمرَ من يعترف له بالرسالة، فاعتراف هذا المدعي برسالة النبي * دعوى تكذبها هذه الممارسة. وهذه اللوازم الشنيعة لا يمكن أن ينفك عنها من ينكر حجية سنة النبي %، ولهذا تجد أن إنكار السنة يكون مدخلاً لكثير منهم إلى إنكار بعض أحكام القرآن أو ترك الإسلام بالكلية؛ لأن هذا القول في حقيقته مناف للقرآن، ويلزم منه الطعن في شريعة الإسلام ورسوله عليه الصلاة والسلام، وهو ما يغذي النفاق والتمرد على الدين بالكلية. بقي الكلام على إشكال الاستدلال بقوله تعالى: (وَنَزَّلْتَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكلِ شَءٍ) [النحل: ٨٩]، على أنها تحصر الحجية في القرآن وحده دون سنة النبي قلا، إذ يمكن الاكتفاء به عن السنة، لأنه جاء تبياناً لكل شيء. وهو ما يوجب السعي لجمع دلائل الشريعة بعضها إلى بعض، لا أن يُضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض، ولذا؛ فالمتعين هنا فهم مراد الله تعالى من كون القرآن تبياناً لكل شيء، فالآية الكريمة إنما جاءت بعموم أريد به الخصوص، فهي تقصد أن القرآن جاء تبياناً للأمور التي يحتاج إليها المسلم. في دينه، وهذا بدهي لأي ناظر في القرآن وفي طبيعة القضايا التي جاء بها، ولا يمكن أن يفهم من الآية أن في القرآن ذكراً لكل شيء مما يتعلق بعلوم الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء مثلاً، فهذا فهم باطل بداهة، ثم إن بيان القرآن للأمور الدينية أوسع دائرة مما يتوهمه من يريد حصر الحجية فيه دون غيره، فالقرآن قد يدل على الأحكام الشرعية إما بالنص المباشر عليها، أو بالدلالة عليها، من خلال ما أقامه من دلائل معتبرة كالسنة، وطاعة النبي ا هي طاعة لله، للأ حكام، بالإشارة إلى ما يبينها من الأدلة المعتبرة، ومنها سنته . أما قوله تعالى: (ما فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [الأنعام: ٣٨]، فيمكن استبانة معناها من خلال ملاحظة سياقها، حيث جاءت في سياق قوله تعالى: ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلا طَابِرٍ يَطِيرُ يِجْنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمُ أَمْقَالُكُم مَا فَرَّطنَا فِى الْكِتَابِ مِن شَءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُخْشَرُونَ ) [الأنعام: ٣٨]. فالسياق يكشف أن الكتاب هنا ليس القرآن، وإنما هو اللوح المحفوظ كما نص عليه عدد كبير من أهل التفسير. وبتقدير أن يكون المقصود به القرآن كما قاله بعض أهل التفسير، ولم يترك شيئاً لم يفصله بدلالة ظاهرة أو بمجمل بيّنه النبي أذ. والخلاصة التي لا ينبغي لمسلم أن يتنازع فيها، أن سنة النبي * هي وحي مُنَزَّل،