اصبح تأمين مدخلات الإنتاج التكنولوجي أحد أهم محاور التنافس الأمريكي–الصيني، لأن السيطرة على الصناعات المتقدمة لم تعد مرتبطة فقط بامتلاك التكنولوجيا النهائية، بل أيضاً بالقدرة على التحكم في المواد الأولية الاستراتيجية اللازمة لصناعتها، وعلى رأسها الرقائق الإلكترونية، فمع تصاعد الثورة الصناعية الرابعة والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، تحولت سلاسل التوريد الخاصة بالمكونات التكنولوجية إلى عنصر أساسي في الأمن القومي للدول الكبرى. بل امتد إلى التحكم في المدخلات الأساسية للإنتاج التكنولوجي، وتؤكد الأدبيات المرتبطة بالتنافس الاقتصادي الدولي أن الاقتصاد العالمي المعاصر أصبح قائماً على السيطرة على سلاسل القيمة الاستراتيجية، حيث تمثل المواد الخام التكنولوجية أحد أهم مصادر القوة الجيو-اقتصادية. للحد من تصدير التكنولوجيا المتقدمة المرتبطة بأشباه الموصلات إلى بكين، بهدف إبطاء التقدم الصناعي الصيني ومنعها من تحقيق تفوق في مجالات الذكاء الاصطناعي، تستند هذه الاستراتيجية إلى فكرة أن التحكم في التكنولوجيا الحساسة يعني التحكم في ميزان القوة العالمي مستقبلاً؛ فحرمان الصين من الوصول إلى الرقائق المتطورة قد يبطئ تحولها إلى قوة صناعية وتقنية قادرة على منافسة التفوق الأمريكي. أدركت الصين أن اعتمادها على الخارج في المكونات التكنولوجية الحساسة يمثل نقطة ضعف استراتيجية، لذلك تبنت سياسة تقوم على تأمين مدخلات الإنتاج من المنبع عبر توسيع نفوذها الاقتصادي في قطاع المعادن الحرجة والأتربة النادرة الضرورية لصناعة الرقائق الإلكترونية، وعملت على الاستحواذ أو تمويل مشاريع مناجم في إفريقيا، بل امتدت إلى عمليات التكرير والمعالجة الصناعية التي تمثل الحلقة الأكثر تعقيداً في سلسلة الإنتاج. وعلى الرغم من الجهود الغربية لتنويع مصادر الإمداد، إذ تشير التقديرات إلى أنها تسيطر على نحو 90% من عمليات معالجة وتكرير سلاسل إمداد الأتربة النادرة عالمياً بحلول 2026، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في الصناعات التكنولوجية المتقدمة داخل الولايات المتحدة وأوروبا. فإن الصراع حول مدخلات الإنتاج التكنولوجي يعكس انتقال المنافسة الأمريكية–الصينية من مرحلة "من يبتكر التكنولوجيا؟" إلى مرحلة "من يتحكم في شروط إنتاجها؟"؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى منع الصين من الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، بينما تعمل بكين على تأمين السيطرة على المواد الخام التي تجعل هذه التكنولوجيا ممكنة أصلاً. أصبح التحكم في المعادن الحرجة يمثل شكلاً جديداً من الردع الاقتصادي والتكنولوجي المتبادل،