نظرًا لقرب روسيا النسبي من الشرق، وكان الاستشراق قويًّا في روسيا منذ عهد بعيدٍ؛ حيث تعودُ الصلات بين روسيا والعالَم الإسلامي إلى زمنِ الدولة العباسية، حيث تبادلتِ الدولة الإسلامية السفارات مع روسيا، ولَمَّا ضمَّت روسيا إليها بعض المناطق الإسلامية ازداد الاهتمام بالإسلام والعالم الإسلامي، وقد أفادتْ روسيا من الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا، حيث أوفدتْ روسيا بعضَ الباحثين للدراسة في مدرسة اللغات الشرقية الحية في باريس، وازدادتْ عند تأسيس الإمبراطورية العثمانية التي تُتَاخِم الحدود الروسية مباشرة، ونتج عن ذلك وجودُ عَلاقة تراوحتْ بين المدِّ والجزر، وحقيقةُ الأمر أن الصراع بين روسيا وتركيا كان صراعًا سياسيًّا حول شبه جزيرة القرم، وتوسيع النفوذ السياسي على البحر الأسود، ولطالما اعتبر الروس أنفسهم شرقيين. وفي هذا نرى أن العالَم العربي الإسلامي كان خارجَ دائرةِ هذا الصراع، وبالتالي لم يكن هناك صدامٌ بين روسيا والعرب المسلمين، ولم توجد الجيوش الروسية في أيِّ زمان على أراضي العالَم العربي الإسلامي، أرسلت الحكومة القيصرية الأسطول البحري الروسي، ولذلك فإنه يمكننا القول: إن من أسباب تميُّز الاستشراق الروسي عن الاستشراق الأوروبي الغربي، وقد شجَّعت الحكومات الروسية في العهود المختلفة دراسةَ التراث العربي الإسلامي، وخاصة ذلك الذي يتعلَّق بالأقاليم الإسلامية الواقعة تحت سيطرة روسيا؛ وكانتِ المصادر الثقافية العربية تشكِّل ركنًا أساسيًّا من مصادر معرفة شعوبِ القوقاز، هذه المعرفةُ انعكستْ بشكل إيجابي لمصلحة روسيا كما يعترف بذلك المستشرقون أنفسهم، الروس أنفسهم يرون أن التراث الشرقي الإسلامي هو جزءٌ من تراثهم؛ فيقول المستشرق "بلوندين": "نحن الروس، وجميع الذين في الساحة الروسية القيصرية السابقة، وكانت أول مطبعة عربية قد أسِّست عام 1722 في مدينة سامارا على الفولجا، وفي عام 1754 طرح لومونوسوف مسألةَ تأسيس كلية اللغات الشرقية، وفي عام 1763 صدرتْ أول ترجمة روسية لكتاب ألف ليلة وليلة[1]، وكان لإنشاءِ كراسي اللغات الشرقية في الجامعات الروسية أثرُه في نشأة وتطور المدرسة الاستشراقية فأنشأتْ جامعة خاركوف عام 1804 كرسيًّا لتدريس اللغات الشرقية، ويذكر المستشرق الروسي الشهير "أغناطيوس كراتشكوفسكي" Kratchkovski‏ أن تاريخ "الاستعراب" الروسي يبدأ من المرسوم الجامعي سنة 1804؛ لأن هذا المرسوم أَدخَل تدريس اللغات الشرقية في برنامج المدارس العليا، فقد كانتِ المكانة الأولَى بين اللغات السامية للغة العبرية، فاللغات الشرقية في مفهوم الروس، وشغلت اللغة العربية المكانة الأولى، وقد أُنشأ قسم اللغة العربية في جامعة خاركوف بعد صدور المرسوم في عام 1804 م مباشرة[2]. لقد كان للاستعرابِ الروسي منذ البداية مدرستانِ متمايزتان، وكان هناك أيضًا في روسيا اتجاهٌ للدراسات الشرقية لأغراض سياسية، ولكن في نفس الوقت كان هناك مَن هو ضد هذه التيارات المتعصبة، ونحن لا نرى هذا في أي دراسات شرقية خارج روسيا، وحَرَص المستعرِبون فيها على استقلاليةِ عملِها، في بداية الاستعراب الروسي تَمَّت الاستعانةُ بعلماء من الغرب، استعان بالخبراتِ الأوروبية من فرنسا وألمانيا وإنجلترا، معتمدًا على المصادر الشرقية الإسلامية مباشرة، فإن قوَّة تيار التراث العربي القديم في القوقاز استطاعتْ أن تحملَ - حتى أيامنا - اللغةَ العربية الفصحى التي لا تستخدم في التخاطب العامِّ في موطنها في البلاد العربية. فقد عاشتِ اللغة العربية حياةً كاملة لا في الكتابة فحسب، لقد كان للشعوب الإسلامية في وسطِ آسيا واحتكاكِها المباشر مع الروس دورٌ كبيرٌ في الاستعراب الروسي؛ إذ ساهمتْ في نقل الثقافة العربية الإسلامية مباشرةً إلى الاستعراب الروسي، ولقد صب التراث العربي الإسلامي مباشرة في مجرى الاستعراب الروسي، أو أسطرة صورٍ وهمية عن الشرق العربي المسلم، وقد ساهم وجودُ المستعربين من العسكريين في القوقاز في ترجمة العديد من الآثار الأدبية العربية الإسلامية؛ الذي شغف منذ صغره بدراسةِ آراء المستشرقين، ودراسة اللغة العربية، وتعرَّف إلى علمائها وأدبائها، ثم عاد إلى بلاده وعيِّن أستاذًا للعربية[6]، • الاهتمام بالأدب العربي بصفة خاصة. 2] انظر: كراتشكوفسكي: تاريخ الاستعراب الروسي. 3] فاطمة عبدالفتاح: إضاءات على الاستشراق الروسي دراسة - من منشورات اتحاد الكتَّاب العرب 2000. والفارسية، وأستاذًا للعربية في قازنا من 1898م إلى 1918م، و(الأدب العربي الحديث في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث تعلم اللغة الأوزبكية، درس اللغات الكلاسيكية اليونانية واللاتينية، والتركية، والفارسية، ولبنان،