في نشأة علوم البلاغة وتاريخها وكلمة موجزة عن أشهر علمائها ووصف مؤلفاتهم وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وكانوا يضربون له قبة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء، فتعرض عليه أشعارها، فتسير في الناس لا يستطيع أحد أن ينقضها. ۱) قالوا : جلس النابغة للفصل مرة، وتقاطر عليه الشعراء ينشدون بين يديه آخر ما أحدثوه من الشعر، وكان فيمن أنشده أبو بصير ميمون أعشى بني قيس، فما إن سمع قصيدته حتى قضى له. ثم جاء من بعده كثير من الشعراء فيهم حسان بن ثابت الأنصاري، وجاءت والتي تقول فيها : وإن صخراً لمولانا وسيدنا وإن صخراً إذا نَشْتُو لَنَجَّارُ وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار ۱۲ فيروقه هذا القول، فيقول للخنساء: «لولا أن أبا بصير أنشدني آنفاً لقلت إنك أشعر الجن والإنس وحسان يسمع ذلك، فتأخذه الغيرة، وقلت: يلمعن بالضحى ولو قلت: يبرقن بالدجى» لكان أبلغ في المديح؛ وقلت يقطرن من نجدة دما» ولو قلت يجرين» لكان أكثر لانصباب الدم، فدخل السوق، فنزل عن راحلته، ثم اعتمد على عصاه، ثم قال : ألا رجل ينشد ؟ فتقدم إليه قيس بن فجلس بين يديه، وأنشده: أَتَعْرِفُ رَسْماً كَاطَّرَادِ المَذَاهِبِ * فلم يزده على نصف بيت حتى قال له: أنت أشعر الناس يا ابن أخي. ۱۳ هكذا يحدثنا الرواة، فهي تدل - على أقل تقدير - على أن علماء الصدر الأول الذين رَوَوْ شعر العرب قبل الإسلام ودَوَّنُوا أخبارهم، وحملوا هذه الأمانة في أول الناس، تدلنا هذه الرواية على أنَّ هؤلاء العلماء كانوا يعرفون للعرب في جاهليتهم بصراً بالنقد، يجمل بالمتكلم أن يهجره ولا يعمد إليه. كان العلماء في الصدر الأول يعلمون ذلك عن العرب، ذلك محل إجماع منهم، من أين للعرب معرفة مثل ذلك ؟ ومن الذي قال لهم: إن الأسياف والجفنات يدلان على أقل العدد ؟ وإن معنى (يلمعن) دون معنى ( يبرقن) وإن مناسبة (الدُّجى) لكرم الضيفان أشد من مناسبة (الضحى)، ونحن الآن نسلّم أن العرب في جاهليتهم، وقبيل شروق شمس الإسلام بنوع خاص، كان لهم بصر نافذ يدركون به ما نسميه في مصطلحات علوم البلاغة مقتضيات الأحوال، ويعرفون عن طريقه أن لكل كلمة مع صاحبتها مقاماً، وأن مقام الرثاء يباين مقام الهجاء، ومقام الفخر غير مقام النسيب، ونحو ذلك. وأنت لا تستطيع أن تجحد ذلك. ذلك بأن القرآن الكريم نزل عليهم في أعلى ١٤ درجات البلاغة. وأعلن عن نفسه أنه في منزلة لا تدانيها منزلة. وأنه ليس في مقدور أحد أن يأتي بمثله ولا بعشْرِ سُوَر من مثل سوره. وعرفوا له هذه المنزلة؛ فلو لم يكن لهم ما نثبت من البصر والعلم لكان القرآن قد نزل بغير لسانهم الذي يتعارفونه. ولكانوا قد أعلنوا عنه أنه لا يجري على السنن الذي يسلكونه في كلامهم. أو لم يكن لتحدي القرآن إياهم فائدة، أو لم يكونوا فالقرآن وحده دليل ناهض على ما كان للعرب قبيل نزوله من الحس المرهف والإدراك النافذ، وتقدير كثير من عقلائهم للقرآن، وإيمانهم بأنه لا سبيل إلى محاكاته، وبأنه لا يشبه سجع الكهان، ولا خَلْقَ السحرة ونَفْثَهم، ففي صدر الإسلام تجد كثيراً من المثل التي تُعلن عنها وتجليها، والنساء. ۱) قالوا : قدم ذو الرمة الكوفة، فلقيه الكميت، قصيدتك ! قال: أي القصائد ؟ قال : قصيدتك التي تقول في أولها: ما بال عينك منها الماء ينسكب كأَنَّه من كُلِّى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ قال: فأي شيء قلت ؟ قال: قد قلت: هل أنت عن طلب الإيقاع مُنْقَلِبُ أم هل يحسنُ مِنْ ذِي الشَّيْبَةِ اللَّعِبُ ۱۵ وما زال ينشد حتى أتى عليها . فقال له ذو الرمة : ما أَحْسَنَ ما قلت !. ولكنك تقع قريباً فلا يقدر إنسان أن يقول: أخطأت ولا أصبت تقع بين ذلك. ولم تصف كما وصفت أنا، ثم قال : أو تدري لم ذاك ؟ قال : لا . وأنا أُشبه ما وصف لي ولم أره بعيني! فقال: صدقت! هو ذاك. ۲) وقالوا : وقَفَ كُثير على جماعة يُفيضون فيه وفي جميل بن معمر، أيهما ففضلوا جميلاً في عشقه، فقال لهم كثير : ظلمتم كثيراً، وهذا جميل أتاه عن بثينة بعض ما يكره فقال: رمى الله في عَيْنَي بثينة بالْقَذَى وفي الغُر من أنيابها بالقوادح فرمى بثينة بما يعيبها ويؤذيها ، وكثير أتاه عن عَزَّةَ بعض ما يكره فقال: هنيئاً مريئاً غير داءِ مُخامرٍ لعَزَّة من أعراضنا ما استحلَّتِ قال: فما انصرفوا إلا على تفضيلي.