محاضرات في التحكيم التجاري الدولي مع أحدث التعديلات القانونية الفصل الأول: ماهية التحكيم التجاري الدولي يعتبر التحكيم بمثابة القضاء الخاص الذي يتمتع بخصوصية معينة ، تميزه عن قواعد و أصول المحاكمات العادية في كل بلد ، كما يعتبر ” المحكم ” بمثابة قاضي خاص تعهد للخصوم بتنفيذ مهمة تحكيمية ، تكون محلا للنزاع فيما بينهم خلال فترة زمنية معينة ، لقاء أتعاب تحدد بموجب اتفاقية التحكيم ، سواء كانت بندا تحكيميا أو عقدا مستقلا بذاته عن الاتفاق المبرم فيما بينهم . 1] إن التحكيم في العصر الحديث ليس بظاهرة مستقلة و جديدة بجذورها عن الماضي إنما هي التطبيق لفكرة التحكيم في المجتمعات القديمة و امتداد للتحكيم التجاري الدولي في العصور الوسطى ، فهذا التحكيم شكل بدائي لاقامة العدالة . قد اعتبر التحكيم مرحلة راقية وصلت إليها الجماعات البشرية بعد أن كان الحق هو قوتي و القوة هي حقي . لم تستأثر الدولة بمباشرة الوظيفة القضائية إنما أجازت للأفراد إخراج بعض المنازعات من ولاية السلطة القضائية في الدولة و إسناد النظر فيها و الفصل بمحكم أو محكمين يختارون لهذا الغرض . كما لابد على هذه السلطة في التحكيم الدولي لإعطاء قرارات التحكيم الدولي التجاري و لعل أن من الأمور الضرورية لنمو و تطور التعاون الاقتصادي الدولي دون المصالح المتبادلة هي إرساء الضمانات القانونية لحماية الروابط القانونية المتضمنة لعنصر أجنبي و تحديد الطرق و الوسائل لتسوية المنازعات التي قد تنشأ و أن أكثر الطرق نجاحا بتوفر حسن النية و المصلحة المشتركة هي طريق المفاوضات المباشرة و قد نقول أن إجراءات التقاضي أمام المحاكم و أن الصلح أفضل من التحكيم إن انتفاء و تفادي نشوب المنازعات أفضل من الصلح . و لما كان القضاء من أهم الأدوات التي تحث على تنفيذ الالتزامات التي تعهد الأطراف بها كان عليه أنم يكون دائما استجابة و التكييف مع علاقات التجارية القانونية الدولية المتغيرة و الفريدة من نوعها ، عدم اعداد القضاة في المسائل التجارية أو الصناعية و المالية و الاقراضية و كذا المسائل التقنية جعله غير قادر على تلبية حاجيات المتعاملين المعنيون بهذه التغيرات . و كذا القلة المعرفة القانونية المحترفة للقضاة حيث غالبا ما يلجأ الى مساعدة الخبراء و المختصين لابراز العناصر المادية لوقائع النزاع و من ثمة عرف التحكيم التجاري الدولي انتشار ا واسعا كوسيلة لحل المنازعات الناشئة عن تنفيذ عقود التجارة الدولية و هي منازعات تحكمها في الغالب أعراف و عادات ذات طابع التحكيم في وضع قواعدها بعيدا عن سلطة الدولة و قضاء المحاكم الوطنية . لقد اتسم مفهوم التحكيم التجاري الدولي ، كطريقة لحل النزاعات في البداية بالبساطة ، ذلك أن المفهوم قد ظهر في المؤسسات القانونية البدائية ثم استمر بعد إنشاء القضاء من طرف الدولة بسبب إرادة أطراف النزاعات تفادي الشكليات و الإجراءات التي يتسم بها القضاء . 2] و تكريس حق اللجوء إلى التحكيم ، و إنما يندرج في سياق البحث عن طريقة لفض النزاعات بشكل أفضل . 3] و الخبرة الفنية في المنازعات محل التحكيم ، بدلا من عرضه على القضاء الذي قد يلجأ إلى الاستعانة بأهل الخبرة في مسائل التجارة الفنية ، و بذلك يتفادى طول الإجراءات ، المطلب الأول: تعريف التحكيم التجاري الدولي الفرع الثاني : التعريف الاصطلاحي للتحكيم هناك من يعتقد أن التحكيم ما هو إلا بديل لتسوية المنازعات ، و منطقنا في ذلك بسيط للغاية و هو أن التحكيم شكل بديل للمتقاضي ، و لا يمكنك أن تستخدم كلا من التحكيم و التقاضي في حل نزاع و علاوة على ذلك فإن حكم التحكيم في كثير من الحالات يصدر و ينفذ دون مساندة من المحكمة[5] لا يقوم التحكيم على عمل قانوني واحد ، 6] فالتحكيم إذن طريقة تختارها الأطراف لحل النزاعات التي تنشأ عن العقد عن طريق النزاع ، وهذا لا يعني المساس باختصاص القضاء الرسمي و إنما يمنعه من النظر في الدعوى ما دام شرط التحكيم قائما ، فإذا زال الشرط زال المنع . 7] بمفهوم هذا القانون ، التحكيم الذي يخص النزاعات المتعلقة بالمصالح الاقتصادية لدولتين على الأقل . و على الرغم من أن إرادة أطراف العقد أو النزاع هي التي تنشىء اتفاق التحكيم إلا أنها لا تنشىء التحكيم ذاته ، إضافة لضرورة تحديد التشريع لكيفية تنفيذ أحكام المحكمين و الطعن عليها [9]. نظام التحكيم ينشأ عن إرادة الأطراف المحكمين ” أطراف الاتفاق على التحكيم ” و هذه الإرادة هي التي تخلقه ، و على اختلاف مذاهبها و اتجاهاتها إتفاق الاطراف المحتكمين . 10] تعمل إرادة الأطراف المحتكمين ” أطراف الاتفاق على التحكيم ” في إطار إرادة النظام القانوني الوضعي و هذه الإرادة تضل ساكنة إلى أن تحركها إرادة الأطراف المحتكمين و التي تدور في فلكها و لا تحيد عنها و التي تتجلى في الاتفاق على التحكيم ، 11] شرط التحكيم هو اتفاق تابع لعقد معين يذكر في صلبه . أما مشارطة التحكيم قد يكون بمناسبة نزاع معين قائم بالفعل بين الخصوم . إن انتشار التجارة و الحاجة إلى تبادل السلع و الخدمات لا سيما المعاملات التجارية الدولية أدى إلى شيوع و انتشار شرط التحكيم من الناحية العملية على مستويين الداخلي و الدولي و بالتالي لا يكاد يخلو أي عقد من عقود التجارة و الاستثمار الدولية من شرط تحكيم مضمونة إحالة المنازعات التي قد تنشأ بسبب تنفيذ العقد الأصلي ، و لقد زادت الحاجة إلى اللجوء إليه بسبب التطور الهائل الذي طرأ على التجارة الدولية و الاستثمارات و الذي انعكس بدوره على التحكيم و انتشاره . عرف العرب في الجاهلية نظام التحكيم الى جانب القضاء ، إن التحكيم كوسيلة المنازعات لم يعد مقتصرا على الفصل في منازعات أطراف العقود الداخلية بل تعداه إلى لتسوية منازعات أطراف العقود الدولية سواء أكانت هذه المنازعات بين الدول بعضها مع بعض أم بين الدولة من جانب و الأفراد من جانب آخر ، أم بين الأفراد بعضهم مع بعض . 15] في البداية كانت معتبرة استثناء من النظام القضائي و تطورت مع الوقت لتفرض الاعتراف بها كمسلسل مهم لحل النزاعات . 16] ربما يكون للتحكيم جذور تاريخية في تسوية المنازعات التقليدية و الذي كان يتم بمعرفة زعيم القبيلة أو أمير المقاطعة ، و على أي حال مازال هذا النوع من التحكيم غير الرسمي متواجد في كثير من الدول بأشكال مختلفة ، و هناك اعتقاد بأن التحكيم قد تأسس تاريخيا بشكل جيد ، و استجاب عبر القرون للتغيرات في التجارة و الأعراف و التكنولوجيا و العرف السائد في الحقل القانوني . 17] التحكيم كوسيلة بديلة لحل النزاعات ليس الية حديثة ، فأصوله تمتد الى العصور الغابرة و كان اللجوء الى هذه الوسيلة في روما و أثينا يتم بصورة تلقائية و طبيعية . 18] 19] أو عندما كان يتنازع تاجران حول سلع فاسدة فيلجأن إلى تاجر آخر يفصل بينهما . 20] و شرط التحكيم أو مشارطته أصبح معروفا بصورة واسعة في الاتفاقات الصناعية و عقود نقل التكنولوجيا سواء أكانت هذه الاتفاقات أو العقود بين دول ، أم دولة و أشخاص عاديين ، أم فيما بين أشخاص عاديين 21] المطلب الثالث: خصائص التحكيم التجاري الدولي أو عن تفسيرها بات من الأساليب الحديثة التي تعتمد بصدد التوصل إلى فض النزاعات العالقة بين الفرقاء بالطرق الاختيارية ، بحيث تتوفر السرعة اللازمة و الدقة المطلوبة بعيدا عن التعقيدات أو العراقيل الإدارية و التنظيمية التي يمكن أن تواجههم إذا ما أثيرت هذه النزاعات أمام المراجع القضائية المختصة . 22] الفرع الأول : السرعة في اتخاذ الحكم الفرع الثاني : السهولة في الإجراءات 1_ يؤدي الى تبسيط اجراءات الفصل في النزاع المعروض للتحرر من الشكليات 2_ يكفل التحكيم الاقتصاد في النفقات و الخبرة الفنية في المنازعات 5 _ يوفر التحكيم الحياد اللازم لعدم الخضوع لاية سلطة أو جهة رسمية . الفرع الثالث : التخصص الفرع الرابع : ذو طابع دولي كما هو ذو طابع وطني لا يثير مشكلة تنازع الاختصاص القضائي المبحث الثاني: مصادر قانون التحكيم التجاري الدولي المطلب الأول: المصادر الوطنية الفرع الأول : قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الفرع الثاني : القوانين الخاصة تنص المادة 17 من قانون الاستثمار الجزائري على أنه : ” يعرض أي نزاع يطرأ بين المستثمر الأجنبي و الدولة الجزائرية ضده ، على المحاكم المختصة ، أو اتفاق خاص ينص على شرط تحكيم أو يسمح للأطراف بالاتفاق على إجراء الصلح باللجوء إلى تحكيم خاص . ”[23] يتضح من نص المادة أن المبدأ هو اختصاص المحاكم الجزائرية ، و قد تتنوع طرق اللجوء إلى التحكيم كالأتي : أولا : الاتفاقيات الثنائية بين الجزائر و دولة معينة تخص بالتحكيم في مجال الاستثمار . أمثلة : ثانيا : مصادقة الجزائر على معاهدة متعددة الأطراف تتعلق بالتحكيم في مجال الاستثمار . أمثلة : اتفاقية واشنطن لسنة 1965 التي أنشئت مركزا دوليا للفصل في منازعات الاستثمار . ثالثا : أن يتم إبرام اتفاق الدولة الجزائرية و المستثمر الأجنبي ينص على طريقتين : إما شرط التحكيم الذي يتضمن إدراج شرط في الاتفاق باللجوء إلى التحكيم في حالة نزاع محتمل يقوم بينهما ، أو مشارطة التحكيم الذي يتضمن اشتراط اللجوء إلى التحكيم بعد وقوع النزاع فعلا و يكون منفصل عن الاتفاق . سواء فيما يتعلق بالإجراءات أو القانون الواجب التطبيق . 24] ثانيا : اتفاقية جنيف لسنة 1927 ثالثا : اتفاقية نيويورك لسنة 1958 رابعا : الاتفاقيات ما بعد 1958 25] المطلب الثالث: المصادر الاختيارية الفصل الثاني: قواعد سير التحكيم التجاري الدولي المبحث الأول: إجراءات التحكيم التجاري الدولي من المفترض أن إجراءات التحكيم يجب أن تكون بسيطة ، و هذه الإجراءات يجوز أن يحددها الأطراف بأنفسهم ، و في أي من الحالتين السابقتين لا يمكن للأطراف ألا يأخذوا في الاعتبار النظام العام و القواعد الإلزامية في القانون الإجرائي و اجب التطبيق بشأن التحكيم . 26] و تجدر الإشارة إلى أنه كلما كان التحكيم معقدا كلما كانت الإجراءات أكثر تعقيدا ، 27] المطلب الأول: القانون الواجب التطبيق بشأن إجراءات التحكيم إن المستثمرين هم في حاجة إلى جو من الأمن القانوني ، يعطي لهم رؤية واضحة بخصوص التشريع الواجب التطبيق و الذي يطمئنهم بخصوص حل نزاعاتهم . 28] و يكون هو القانون الوطني لمحل التحكيم الذي يجب أن يتم الاتفاق عليه بين الأطراف ، و علاوة على ذلك لا يمنع تطبيق قانون وطني معين المحكمين من مقابلة أو الاستماع إلى شاهد في أي دولة أخرى . و الاتجاه الثاني يفترض أن المحكمين يجب أن يتوصلوا إلى القانون واجب التطبيق بتطبيق المبادئ العامة المعترف بها دوليا لقواعد تنازع القوانين التي سترشدهم إلى القانون الأكثر ارتباطا بالعلاقة بين أطراف النزاع و هذا الاتجاه شائع جدا في عالم التحكيم . 30] المطلب الثاني: تشكيل هيئة التحكيم تباشر هيئة التحكيم اختصاصها بحضور طرفي النزاع ، فإذا تخلف أحدهما عن حضور إحدى الجلسات أو عن تقديم ما طلب منه من مستندات جاز لهيئة التحكيم الاستمرار في إجراءاته ، و إصدار حكم في النزاع تستند فيه إلى ما توافر لديها من عناصر إثبات . 31] – أن تكون إرادة الخصوم هي المرجع الأول في اختيار الهيئة ، فإنه يجب الالتزام بما تم الاتفاق عليه ، و أن الثقة في حسن تقدير المحكم و عدالته و حيادته هي بواعث الاتفاق على التحكيم . و لهيئة التحكيم سماع شهادة شهود دون تحليفهم اليمين كما أن بوسعها تعيين خبيرا أو أكثر لتقديم تقرير مكتوب أو شفهي في النزاع ، حيث تقوم بدورها بإخطار طرفي النزاع بما حواه التقرير مع إتاحة الفرصة لهما لإبداء ما يعن لهما من ملاحظات على ما ورد بهذا التقرير . 33] و لهيئة التحكيم أن تقرر عقد جلسة بحضور طرفي النزاع لسماع و مناقشة الخبير فيما ورد بتقريره ، مع كفالة الحق لكل من الطرفين في الاستعانة بخبير أو أكثر لتنفيذ ما جاء بتقرير الخبير المنتدب بواسطة هيئة التحكيم ما لم يتفق طرفين التحكيم على خلاف ذلك . 35] الفرع الأول: اختيار المحكمين المحكم هو شخص يتمتع بثقة الخصوم ، و قد يتم تعيينه من جانب المحكمة إذا كان التشريع يجيز ذلك للقيام بمهامه ، و انما قيدها ببعض القيود رعاية لهم . 36] و لأهمية الدور التي يقوم به المحكم منح سلطات واسعة تمكنه من الفصل في موضوع النزاع بإصدار حكم ملزم للمحتكمين ، و هو يمارسها من اللحظة الأولى التي يصدر فيها موافقته على قبول مهمة التحكيم ، كما يستمدها من اتفاق المحتكمين الذين يحددون سلطاته في صلب اتفاقهم ، و ذلك انطلاقا من الثقة التي يتمتعون بها في قدرتهم على حسم النزاع ، أو انطلاقا من التخصص الفني الذي لا يتوافر لغيرهم ، مما يجعلهم أقدر من الآخرين على فهم المسائل المعروضة عليهم . نجاح الإصلاح رهين بمهنية المحكمين ، و على الأقل يجب أن تكون لهؤلاء مصداقية تجاه الأطراف و هذه المصداقية تقتضي أن يكونو أكفاء ، نزهاء ، تراعى سلطة التعيين أو المحكمة الاعتبارات التي من شأنها ضمان اختيار محكم مستقل و محايد و أن تأخذ بعين الاعتبار أنه من المستحسن ألا يكون المحكم من جنسية أحد الأطراف ،