بحث حول تاريخ الفكر الاقتصادي في العصور الوسطىالـــــــــــــــــخــــــــــــــــطــــــــــــــــــــــــةمقدمة :الفصل الأول : تعريف علم الاقتصاد .الفصل الثاني : الفكر الاقتصادي في العصور القديمة و الوسطى- المبحث الأول: في العصور القديمة.الفصل الثالث: مدرسة التجاريين.الفصل الرابع: المدرسة الطبيعية.الفصل الخامس: المدرسة الكلاسيكية.الفصل السادس : المدرسة الكينزيةالخاتمةالمراجع :01- كتاب أصول الاقتصاد للدكتور السيد عبد المولى02- كتاب مبادئ علم الاقتصاد للدكتور عادل أحمد حشيشو زينب حسين عوض الله .بعد بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: منذ أن وجدت المجتمعات البشرية أحست بحقيقتين هامتينالأولى: تعدد الحاجات و تزايدها مع الوقت الثانية : محدودية الموارد الموجودة تحت تصرفها إذا قيست بهذه الحاجات المطلوب إشباعها .و من ارتباط هاتين الحقيقتين نشأت المشكلات و الظواهر الاقتصادية . و كانت في سبيل ذلك تستبدل مدرسة بمدرسة و نظاما بنظام .و الحقيقة أن تحديد نوعية النظام الاقتصادي و تطوره كان عبارة عن جدال و صراع بين الاقتصاديين النظريين و الذين يركزون الاهتمام بصفة رئيسية على استخلاص القوانين العامة التي تحكم النشاط الاقتصادي في فترة معينة.و السؤال الذي يثور في هذا المجال هو : كيف يمكن دراسة هذه التطورية لعلم الاقتصاد و قوانينه و نظمه ؟تعريف علم الاقتصاداختلف الاقتصاديون بشأن تعريف علم الاقتصاد تعريفا اصطلاحيا يحدد نطاقه تحديدا جامعا للموضوعات التي يهتم بمعالجتها , مانعا لما لا يدخل في دائرة اهتماماته . ولقد ترتب على هذا الاختلاف أن تعددت التعريفات المعطاة في هذا الشأن, الأمر الذي يصعب معه تقديم بيان حصري لها . و إذا كان تعريف العلم يأتي لاحقا عليه ولا يسبقه . فإن الخلاف بين الاقتصاديين على التعريف ليس خلافا لفظيا أو على التغيير , بقدر ما هو خلاف على المفهوم المبدئي لموضوع علم الاقتصاد .بعض التعاريف الاقتصادية : كثير من الكلمات التي يرد ذكرها في مجال الدراسات الاقتصادية تعتبر كلمات شائعة و لكنها قد تستعمل في المعنى اليومي بمفهوم يختلف عن معناها الاقتصادي و كبداية لدراستها في الاقتصاد سنقوم بتفسير مبسط لبعض و ليس كل الكلمات على أن نتبادلها بالشرح في مواضعها فيما بعد .• الطلب Demande : الطلب الحاجة أو الرغبة المسندة إلى قوة شرائية . بصرف النظر عن طبيعة الرغبة المشبعة و الأشياء النافعة تنقسم إلى قسمين :السلعcommodités: وهي الأشياء النافعة التي تأخذ شكلا ماديا ملموساالخدمات Services: و هي الأشياء النافعة و التي لا تأخذ شكلا ماديا لخدمات النقل و الطلب و التعليم و تعتبر غير اقتصادية أو حرة إذا كان يمكن الحصول عليها بدون مقابل.• الندرة Scarcity : المقصود بالندرة في المعنى الاقتصادي الندرة النسبية و ليس الندرة المطلقة و طالما إن الموارد محدودة فهي نادرة , و إن كان من المحتمل أن يكون لبعضها ندرة أكثر من الأخرى .• الثروة Wealth : الثروة هي المخزون من الموارد الاقتصادية , و لكن قد يدخل الرجل العادي النقود و الأسهم القديمة في عداد الثروة و هذا غير صحيح في المعنى الاقتصادي , فالنقود ليست ثروة في حد ذاتها , و إنما هي وسيلة لامتلاك الثروة و كذلك شراء الأسهم القديمة لا يعتبر إضافة للثروة و إنما هو مجرد نقل ملكية ثروة قائمة.الفكر الاقتصادي في العصور القديمة و الوسطىقبل ميلاد علم الاقتصاد في منتصف القرن الثامن عشر تقريبا , لم يكن للفكر الاقتصادي وجود مستقل , وإنما نجده في أحضان أشكال أخرى للفكر : في أحضان الفلسفة في الإغريقي , في أحضان الفكر اللاهوتي في العصور الوسطى الأوروبية , وفي أحضان دراسة التاريخ وفلسفته عند المفكرين العرب في القرن الرابع عشر .• 1- العصور القديمـة : أيا كانت الأفكار الاقتصادية في هذه العصور فالبداية نجدها عند الإغريق و الرومان .• - أ- الفكر الاقتصادي اليوناني :عند الإغريق ارتبط تاريخ الفكر الاقتصادي بالأفكار الفلسفية و الاجتماعية و مناقشة الأمور الجارية دون أن تكون له ذاتية مستقلة نفسر الواقع و نقدم نظرية متكاملة , و كان بكليته في خدمة السياسة بالمعنى الواسع للكلمة , و من بين العديد من مفكري تلك الفترة يعتبر أفلاطون و أرسطو من أبرز الفلاسفة الذين تعرضوا للمشاكل الاقتصاديةيتمثل الإنجاز الرئيسي لأفلاطون في الوصف الذي قدمه لتقسيم العمل و أصل الدولة , و هو يرجع أساس الدولة إلى عامل اقتصادي و ينادي بضرورة تقسيم العمل في دولته المثلى , فكل شخص يجب أن يتخصص في مهنة واحدة . و يبني أفلاطون فكرته في تقسيم العمل على حجتين : الأولى : اختلاف المواهب الطبيعية .الثانية : أن التخصص يزيد الإنتاج ويحسن نوعه .و في تصوره لتنظيم الدولة , يقسم أفلاطون المجتمع إلى ثلاثة طبقات , تتولى كل طبقة نوعا معينا من أنواع النشاط فالطبقة الأولى هي طبقة المنتجين و الطبقة الثانية هي طبقة الجنود و الطبقة الثالثة هي طبقة الحكام و يشترط أفلاطون أن يكون من بين الفلاسفة و ألا تكون لهم ملكية خاصة و روابط عائلية . مستقلة تماما عن قيمتها الذاتية .• أرسطو ( 384 – 332 ) قبل الميلاد إذا كان البحث في المشكلات الاقتصادية عند أرسطو قد وجد في أحضان الأخلاق و الفلسفة و السياسة شأنه في ذلك شأن أفلاطون , إلا أنه أول من قدم ما يمكن تسميته ببذور نظرية اقتصادية . و هو يرى أن الدولة ظهرت نتيجة تطور تاريخي . و لتحقيق غايات أكبر من إشباع الحاجات المادية . و دافع بشدة عن العائلة و الملكية الخاصة و الحق الطبيعي في الاقتناء . و هي أمور تتفق و ميول الإنسان و تحفزه على العمل كذلك دافع أرسطو عن الرق على أساس الاختلاف في المزايا التي تمنحها الطبيعة للأفراد . و يرتكز التحليل الاقتصادي لأرسطو مباشرة على الحاجات و إشباعها و الأموال , أي المنتجات . هي التي تحقق هذا الإشباع . و طرق الحصول على الأموال هي الزراعة و تربية المواشي و الصيد بمختلف أنواعه و استخراج المعادن و عنده التجارة ليست من قبل النشاط الطبيعي و من ثم وجب إدانتها .• - ب- الفكر الاقتصادي الروماني : على الرغم من أن الرومان لم يقدموا فكرا اقتصاديا يستحق الذكر إلا أنهم قد أثروا في الفكر الاقتصادي اللاحق من خلال تنظيماتهم القانونية , و من خلال التكوين العقلي الذي طبعت به دراسة القانون الروماني عقول الباحثين في الاقتصاد .ومن الأفكار الخاصة التي أثر بها القانون الروماني في الفكر الاقتصادي فكرة « القانون الطبيعي » التي احتلت مكانة بارزة في الفكر الاقتصادي منذ القرن 18 وحتى أوائل القرن 20 كذلك يعتبر القانون الروماني بما تضمنه من أفكار ( حق كل شخص أن يعقد ما يشاء من العقود و الصفة المطلقة للملكية الفردية ) أحد مصادر المذهب الفردي الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي .كان سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب و الشرق . و هي جامعات كانت تقوم أساسا على تدريس اللاهوت بقصد تكوين رجال الدين , و على الأخص فكر سان توماس الإكويني و يتمثل جوهر فكر المدرسين في محاولة التوفيق بين الدين و الفلسفة أي بين الإيمان و العقل , وهي محاولة تكمل في الواقع الصورة التي بدأها العصر القديم و استمرت في الفكر الإسلامي طوال القرون من التاسع وتقوم على استخدام المنهج الاستنباطي من منهج أرسطو معالجة أوضاع المجتمع الإقطاعي .• - ب- الفكر الاقتصادي العربي : في أحضان التاريخ أو الفلسفة التاريخية نجد الفكر الاقتصادي العربي و لا شك أن مبادئ الدين الإسلامي هي أول و أهم مصادر هذا الفكر , فقد تضمنت هذه المبادئ تنظيم بعض الجوانب الاقتصادية الهامة يمكن أن نذكر دون تدخل الدولة لتحقيق ما قد يترتب على ذلك من مساوئ , تقديس العمل والحث عليه وقدم المفاصلة بين أنواعه المختلفة ’ ومن ثم لا يوجد فيه تحفظ من ناحية التجارة , تحريم الربا. مناهضة الاحتكار وتنظيم الأسواق على أساس المنافسة الكاملة .المذاهب الاقتصادية الليبراليةابتداء من القرن الخامس عشر, و تحت تأثير التحولات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية السابقة , ينتقل مركز الأشغال الفكري للإنسان من القضايا الدينية إلى القضايا الزمنية ( الدنيوية ). و مع الحول الاجتماعي الجذري , و نضوج أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية و من الحكومات و من الأفكار , منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر , يبدأ علم الاقتصاد في الوجود بتحديد معالم موضوعه , الذي يشهد تناسقا داخليا و بلورة لمنهجه .في إطار هذا الفكر يمكن أن نميز بين عدة اتجاهات نستعرضها بإنجاز فيما يلي :الفصل الثالث : مدرسة التجاريين:في القرون الثلاثة الممتدة من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر ظهر في أوروبا تيار جديد من الأفكار الاقتصادية أطلق عليه مؤ رخوا الفكر الاقتصادي اسم « مذهب التجاريين » و لم يتكون هذا التيار دفعة واحدة , و لم تتحدد معالمه بوضوح في وقت واحد بل خضع لتطور طويل . و المتتبع لكتابات مفكري التجاريين يلحظ بوضوح أن آراء كل مفكر قد تشكلت بظروف و مصالح بلده . و في إطار الانشغال بهذه القضايا تبرز بعض الأفكار الاقتصادية , و على ذلك لا نجد لدى التجاريين تحليلا اقتصاديا واسعا, بل مجرد فلسفة تجارية لا تزيد في جوهرها على أن تكون مرحلة في تاريخ السياسة الاقتصادية, تشتمل على عدد من التدابير الاقتصادية التي يراد بها تحقيق التوحيد السياسي و القوة القومية. و برغم تشعب و تعدد أفكار التجاريين في هذا الصدد فإنه يمكن بصفة عامة إجمال الأصول و الاتجاهات الفكرية الجوهرية التي يصدر عنها الفكر التجاري , و خصائصه الأساسية على النحو التالي :أولا : يجب أن تكون الدولة قوية , و يجب أن تكون غاية النظام الاقتصادي تحقيق هذه القوة . من هنا عرفت نظريتهم بنظرية « الاقتصاد للقوة » .ثانيا : الثروة هي أهم ما يحقق قوة الدولة , و من ثم يجب أن تسعى الدولة إلى تنمية ثروتها . و الثروة كانت تتمثل لدى التجاريين , و بصفة خاصة الأوائل منهم , في الذهب و الفضة و بقية المعادن النفيسة , و لذلك يجب أن تتجه كل دولة إلى زيادة ما تحصل عليه من هذه المعادن التي تمثل الثروة . و مع ذلك نبذ المتأخرون من التجاريين ذلك الخطأ الكبير الذي وقع فيه التجاريون الأوائل , و الذي يتمثل في المطابقة بين الثروة و المعادن النفيسة . فالثروة عند المتأخرين منهم تتمثل في مقدار ما يحققه البلد فعلا من منتجات .ثالثـا : اعتقد التجاريون أن الثروة الكلية في العالم ثابتة الحجم , و من ثم ذهبوا إلى أن ما تكسبه دولة من الدول من هذه الثروة إنما يكون عن طريق ما تفقده دولة أخرى منها و من هنا كانت تعاليمهم ذات طابع وطني و اعتدائي , إذ لا سبيل لغنى الوطن إلا على الإضرار بالأوطان الأخرى .رابعـا : بالتطبيق لما سبق , فإن يتعين على الدولة أن تحتفظ بالمعادن التي لا تتوفر لديها . و في سبيل تحقيق هذا الهدف , فإن التجاريين يشيرون بإتباع عدد من الوسائل أهمها العمل على استغلال المناجم المنتجة لهذه المعادن , و منع خروجها من الدولة , و تشجيع قدومها إليها . و لكي يتحقق ذلك يتحتم عليها زيادة صادراتها , و هو ما يعني الوصول إلى ميزان تجاري في صالح الدولة . و من هنا وجب عليها أن تتدخل لتنظيم الصناعة و التجارة . و يستهدف تنظيم الصناعة جعلها قادرة على الإنتاج بأرخص الأسعار , أما تنظيم التجارة فيستهدف الواردات و تشجع الصادرات , على ألا يؤدي هذا إلى إعاقة الواردات من المواد الأولية اللازمة للصناعة الوطنية .و هكذا أخذت سياسة التجاريين صورا مختلفة في التطبيق تبعا للظروف و الأوضاع التي كانت تواجه الدول المعتقدة في جدوى هذه السياسة . فكانت السياسة المعدنية التي ذاعت في أسبانيا خلال القرن السادس عشر , والسياسة الصناعية التي ازدهرت في فرنسا في القرن السابع عشر , هذا إلى جانب سياسة العهد الاستعماري والتي طبقتها كل الدول الاستعمارية الكبرى .خامسا : حاول التجاريون الكشف عن أسباب ارتفاع الأثمان التي كانت تمثل ظاهرة سائدة في بلدان أوروبا في ذلك الوقت . و أعطيت في هذا الصدد تفسيرات مختلفة أهمها ما جاء به « جان بودان » الذي قدم عام 15 تفسيرا يرتكز على كمية النقود . فتغيرات مستوى الأثمان تتوقف على تغيرات كمية النقود .أ‌- 1- تقدير مدرسة التجاريين :ساهم التجاريون في تخليص الأفكار الاقتصادية نهائيا من طابعها الديني والأخلاقي الذي كان يميزها في العصور الوسطى . وبالنظر إلى الظروف التاريخية التي نشأت فيها مدرسة التجاريين , وجب الاعتراف بأنها قد أدت الدور التاريخي الذي كان يجب عليها تأديته . فقد ساعدت على قيام الدول القومية القوية , و على تنمية الصناعات و التجارة , كما أسهمت , باهتماماتها بالنقود , في خلق البنوك الأوروبية و توسيع نشاطها المالي على أن الدور المؤثر الذي لعبه فكر التجاريين لا يحجب وقوعه في كثير من المآخذ التي تتصل أساسا بنوعية التحليل الاقتصادي و الخلفية التي كان يصدر عنها , هذا فضلا عما أدت إليه السياسات التي أخذت بآراء التجاريين في التطبيق من نتائج سيئة في بعض الأحوال .فمن ناحية لم يحظ التحليل الاقتصادي للظواهر الاقتصادية و العلاقات الخاصة بها بعناية تذكر من التجاريين , وإن كانت كتاباتهم لا تخلو من بيان بعض العلاقات الأساسية . ليس هذا فحسب. بل إن التحليل الاقتصادي اللاحق قد أثبت أن العديد من آرائهم محل مراجعة و نظر .من ناحية أخرى و بالرغم من أن المتأخرين من التجاريين يجدون الثروة في المنتجات فإن تدفق الذهب و الفضة يمثل ميزة استمروا في المطالبة بتحقيقها . و تمثل الانشغال الرئيسي للتجاريين في البحث عن تحقيق ميزان تجاري موات للبلد . و قد أثبت التحليل الاقتصادي عدم إمكان الحصول بصفة مستمرة على فائض إيجابي في الميزان التجاري . ذلك أن وجود هذا الفائض يعني تزايد كمية النقود داخل البلد ومن ثم ارتفاع الأثمان في الداخل عنها في الخارج , ويتحول الميزان التجاري إلى حالة العجز .كذلك فإنه مما يؤخذ على فكر التجاريين , أنه كان صادرا في أغلب الأحيان عن خلفية تمثل أصحاب مصلحة مكتسبة يستهدفون حمايتها و تدعيمها . ففي هذا الفكر ,كان الصوت الغالب هو صوت أصحاب المصلحة التجارية الممثلة في الشركات الاحتكارية الكبرى , مثل شركة الهند الشرقية , مما زاد من فرض تحقيق المصالح الخاصة لهؤلاء , بالنظر لالتقاء مصلحتهم مع مصلحة الدولة الناشئة . ولا شك أن ذلك قد ساهم في جعل أفكارهم غير متنافسة , و بالتالي فلم تكن السياسات الاقتصادية التي نادوا بها واحدة , أو حتى منسجمة مع بعضها .هذا بالإضافة إلى ما ترتب على تطبيق سياسات التجاريين من نتائج سيئة في كثير من دول أوروبا فمن ناحية , أدت هذه السياسات إلى زيادة حدة الصراع بين الدول . و من ناحية أخرى أدى تطبيق السياسة المعدنية في أسبانيا إلى ارتفاع الأسعار و حدوث موجة تضخمية أضرت بالطبقات الفقيرة التي كانت تكون الغالبية العظمى من الشعب الأسباني . أما في فرنسا , فقد حدت السياسة الصناعية بالدولة إلى الاحتفاظ بأثمان المواد الزراعية في مستوى منخفض مما أدى إلى انخفاض دخول المزارعين و سوء حالتهم .وأخيرا أضر العهد الاستعماري إضرارا بالغا بدول المستعمرات من مختلف النواحي الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية , وكان من أبرز النتائج السيئة لهذا العهد أن أصبحت الدول المستعمرة تتمتع باحتكار الشراء من المستعمرات والبيع لها , فكانت تشتري بأحسن الأثمان وتبيع بأغلاها .و إذا كانت بعض أفكار التجاريين و السياسات الاقتصادية النابعة عنها لم تسلم من النقد من الناحيتين النظرية و التطبيقية على نحو ما قدمنا , فإن ذلك لا يعني أن تعاليمهم قد اندثرت كلية . فعلى الرغم من حجج كينز التي أوضحها في نظريته العامة , و التي هي على طرف نقيض من أراء التجاريين الذين كانوا يمجدون الادخار و ينددون بالاستهلاك و يدعون السلطة إلى اتخاذ الإجراءات و التدابير التي تكفل تخفيض أجور اليد العاملة , فإن التحليل الكينزي يلتقي مع ما انتهى إليه التجاريون من أن الفائض في الميزان التجاري يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد القومي . كذلك وجد كينز في تحليل التجاريين للدور الذي يقوم به الإكثار من المعدن النفيس ما يتفق مع نظريته بالنسبة لآثار الزيادة و النقصان في كمية النقود على مستوى النشاط القومي .كذلك فإنه لا يمكن تجاهل وجه الشبه بين ما كان ينادي به التجاريون و ما يراه عدد كبير من الكتاب المعاصرين في نظرية التطور الاقتصادي , حيث لا غنى عن قيام دور للدولة في هذا التطور . فضلا عن أن حرية التجارة لا تستقيم و مقتضيات التنمية في سائر الأحوالالفصل الرابع : مدرسة الطبيعيين :يتسبب مذهب الطبيعيين إلى لفيف من المفكرين بفرنسا في القرن الثامن عشر, اجتمعوا حول زعيمهم فرانسوا كيناي ( 1694- 1774 ) و نشروا طائفة من الأبحاث و المؤلفات في الفترة من ( 1756 – 1778 ) كان لها الفضل في وضع أسس علم الاقتصاد . و بالطبيعيين ندخل في عصر المدارس و المذاهب في الفكر الاقتصادي , فلئن كان لكل واحد من كتاب هذا المذهب أسلوبه الخاص في عرض أرائه إلا أنهم جميعا يتفقون فيما بينهم حتى في التفاصيل الصغيرة , مما يجعلهم يستحقون لفظ « مدرسة » واحدة لدرجة أكبر مما تستحقها التيارات الأخرى في الفكر الاقتصادي السابق .وبصفة عامة يقوم المذهب الطبيعي على فكرتين رئيسيتين , الأولى تتعلق بالنظام الطبيعي ,اعتقد الطبيعيون أن الظواهر الاقتصادية تخضع لقوانين طبيعية لا دخل لإرادة الإنسان في إيجادها . وفي انطباقها وتنظيمها للحياة الاقتصادية تقوم هذه القوانين على مبدأين : الأول هو مبدأ المنفعة الشخصية , والثاني هو مبدأ المنافسة . فكل شخص في سعيه لتحقيق منافعه الشخصية ينافس بقية الأفراد في المجتمع فينشأ عن ذلك ما يحد من انطلاقه في تحقيق منافعه ,وتتميز القوانين الطبيعية بأنها مطلقة لا استثناء فيها , وكل محاولة من الفرد للخروج عليها تعود عليه بالضرر مما يضطره للرجوع إليها . وهي قوانين عالمية تنطبق في كافة البلاد بصرف النظر عن ظروف كل بلد . ويضاف إلى ذلك أنها قوانين إلهية فرضها الله وحتمها , ومن ثم لا يمكن أن ينتج عن انطباقها ضرر للناس .مدرسـة الطبيعيـين:يرجع إلى الطبيعيين ، وخاصة كيناي، الفضل في تخليص علم الاقتصاد من صفة التبعية للدين والفلسفة التي كانت تميزه في العصور القديمة والوسطى ، ومن صفة التبعية للسياسة العملية التي ميزت أفكار التجاريين.كذلك كان للطبيعيين الفضل في تصحيح مفهوم الثروة . فلم يعد النظر للنقود على أنها الثروة كما كانت الحال عند التجاريين، بل أعطت أهمية للإنتاج.فضلا عن آراء الطبيعيين أدت إلى تخفيف القيود التي كانت مفروضة على النشاط الاقتصادي في ظل التجاريين. ولعل أهم ما ينسب إلى الطبيعيين أنهم هم الذين أسسوا المذهب الفردي أو المذهب الحر الذي ساد حتى منتصف القرن العشرين، وأنهم أول من أعطى فكرة عن دورة الناتج الكلي وتداوله داخل البلد في مجموعه، وعن كيفية توزيعه بين الطبقات. وبالرغم من الجوانب الايجابية المتقدمة في فكر الطبيعيين والتي ساهمت في بلورة الاقتصاد السياسي كعلم له ذاتيته المتميزة عن غيره من العلوم، وفي تزويد التحليل الاقتصادي بالكثير من الأفكار التي ساعدت على تطوره، فقد انتقد مذهب الطبيعيين من عدة وجوه أهمها:أولا: كانت فكرتهم عن الإنتاج قاصرة ومحدودة وذات طابع مادي، هذه الفكرة لا يمكن التسليم بها فالإنتاج هو كل خلق لمنفعة جديدة أو زيادة لمنفعة موجودة من قبل. ويترتب على ذلك عدم صحة نظريتهم في الضريبة الواحدة التي تفرض على دخول المزارعين، باعتبارها ممثلة للناتج الصافي للجماعة.ثانيا: اعتقاد الطبيعيين في وجود قوانين الطبيعة تحكم الظواهر الاقتصادية أمر يخالف الواقع ويتنافى معه. فالظواهر الاقتصادية تتغير وتتطور، وتتغير تبعا لتلك القوانين التي تحكمها. ومعنى ذلك أن الطبيعيين لم تكن لديهم أية فكرة عن تطور الحياة الاجتماعية.ثالثا: الاقتصار عل نظام الضريبة الوحيدة التي تفرض على النشاط الزراعي فقط لا يحقق العدالة في توزيع الأعباء الضريبية على جميع فروع النشاط الاقتصادي. هذا بالإضافة إلى أن الدولة لا يمكنها الاقتصار على ضريبة واحدة لتمويل نفقاتها المتزايدة. الفصل الخامس : مدرسة التقليديين(الكلاسيك): إلى حد كبير، من عمل رجلين اثنين: آدم سميث(1723 – 1790)، وقد أسهم في إرساء بعض مبادئ المدرسة الكلاسيكية توماس مالتس( 1766 – 1843 ).وروج لتعاليم المدرسة في انجلترا جون ستيوارت ميل ( 1806 – 1873 )، وفي فرنسا جان باتست ساي ( 1767 – 1832 ).وعلى الرغم من تعدد كتاب المدرسة الكلاسيكية،أولا: في دراستهم للظواهر الاقتصادية يتأثر التقليديون بالفكرتين اللتين ميزتا كل الفكر الاجتماعي للقرن الثامن عشر: فكرة النظام الطبيعي و النظرة المادية للكون. فالظواهر الاقتصادية تخضع لقوانين موضوعية، حقيقية، هي من طبيعة هذه الظواهر.