إنّ العالم الذي يبدو في أعيننا وكأنّه مجموعة من الموجودات البسيطة والتافهة إنّما هو عظيم وواسع جدّاً بحيث لا يمكن أن تحيط به تصوّراتنا، إلى درجة أن الالتفات إلى عظمة عالم المجرات والنَّظم الدقيق الذي يسودها، يدعو كلّ إنسان عاقل وذي ضمير حيّ إلى التأمّل والتدبّر. كلمة «السّماء» في اللغة مشتقة من الفعل «سُمُوّ) بمعنى الرّفعة والعلوّ؛ ولذا يطلق على سقف البيت سماء أيضاً(1). وقد ورد استعمال هذه الكلمة في القرآن الكريم بصورة المفرد والجمع وفي معان مختلفة 313 مرّة. ثمّ إن الشيء اللافت في دراسة السماء هو سعتها المحيرة التي تفوق التصوّر. نعم، 61 المجرة التي نعيش عليها -وهي مجرة درب التبّانة- والتي تقع فيها منظومتنا الشمسيّة ما بين مئة ومئة وعشرين ألف سنة ضوئيّة، وتبعد مجموعتنا الشمسيّة عن مركز هذه المجرّة ما يقارب من 27 ألف سنة ضوئيّة. هذا وأثبتت آخر الدراسات التي قام بها باحثون أختصاصيُّون أنّ في العالم مئات الملايين من المجرّات(2)، وفي مجرّتنا وحدها ما يزيد على مئتي مليار نجم. طبقاً لنظام مُتقن، فيدرك أنَ هذا العَقَائِكِ الإِسلامِيَّةَ وبهذا، من هنا، لَيْسَ لَهُمَا مَكَانٌ إِلّا مَكَانُهُمَا، فَإِنْ كَانَا يَقْدِرَانٍ عَلَى أَنْ يَذْهَبَا فَلِمَ يَرْجِعَانِ؟ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُضْطَرِّيْنِ فَلِمَ لَا يَصِرُ اللَيْلُ تَهَاراً وَالنَّهَارُ لِيْلَا ؟ اضْطُرًا وَاللَّهِ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ إِلَى دَوَامِهِمَا، وَالَّذِي اضْطَرَّهُمَا أَحْكَمُ مِنْهُمَا وَأكْبَر» (1) . ومن الدّروس القرآنيّة الأخرى في التوحيد، إشارته إلى تعليق الأجرام السماويّة في الفضاء دون أعمدة، 62 الكريم ب«الأعمدة غير المرئيّة» وذلك في الآيتين الآتيتين: اللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (2)، (خَلَقَ السَّمَٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا )} (3). لقد كشفت هاتان الآيتان عن حقيقة علميّة لم تكن معروفة عند نزول الآيات الكريمة؛ بكلّ قواها، طبقاً لهذه النظريّة، بل كلّ واحدة منها تستند إلى الأخرى. ولكن بعد نزول هذه الآيات بألف سنة تقريباً توصّل العلم إلى أنّ هذه الفكرة غير صحيحة، ولا تستند إلى شيء، فالشيء الوحيد الذي يجعلها مستقرّة وثابتة في مكانها هو تعادل قوة التجاذب والتنافر، فالأولى تربط الأجرام في ما بينها، والأخرى لها علاقة بحركتها. وفي هذا السياق، أشار أمير المؤمنين ياك إلى هذا النّحو من العظمة التي يعجز الإنسان عن وصفها، وقال في دعاء يخاطب به الخالق الحكيم: «سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَمَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ،