إن الطابع الأساسي البارز للبيت ليس هو عظمته و لا كونه قصرا أو منزلا عاديا بسيطا، و إنما هو في الروح التي تسيطر على داخله؛ أي في العلاقة المبنية على المحبة التي تربط بين افراده، فإذا أحسوا برباط المودة يخيم عليهم فإنهم يشعرون بالسعادة الحقيقية التي لا يمنحها لهم جاه و لا مال. و هذه المحبة ضرورية حتى للقيام بالمهمة التي يفرضها البيت على أفراد العائلة، لأن هذه الطمأنينة هي التي تسهل على الأمم القيام بالعناية التامة بأبنائها؛ تلك العناية التي يحتاج إليها الأطفال البشريون أكتر مما يحتاج إليها غيرهم من صغار الحيوانات التي لا تلبث إلا قليلا حتى تستطيع الاستقلال بنفسها.فمهمة البيت إذن عظيمة جدا لأنها هي التي تعلمنا مبادئ كل شيء نتلقاه في هذا الوجود، فبقدر ما يكون البيت كامل الوسائل، مستوفي الشروط يستطيع الناشئون فيه أن يخرجوا للعالم و هم على مسكة عظيمة من الاستعداد لاستكمال معلوماتهم، و استعمال الخميرة البيتية التي هي رأسمالهم في الحياة. و لذلك فإن الذين يعبرون عن البيت بمهد المعرفة الأول، و عن ربة البيت بالمدرسة الأولى هم صادقون في تعبيرهم إلى أبعد حدود الصدق.فالبيت هو الذي يعلمنا قبل كل شيء اللغة التي نتكلم بها؛ و لولا المجهودات الأولية التي تبذلها العائلة في هذه الناحية لما استطعنا أن نحصل على وسائل المخاطبة بنفس السهولة التي نحصل عليها الآن. و ليس أدل على ذلك من الصعوبات التي نتلقاها كلما أردنا أن نتعلم في الكبر لغة أجنبية عنا.و لذلك فإن البيت الذي يتقن الوالد والوالده فيه لغة بلادهما يقدم للمجتمع خدمة عظيمة الشأن؛ لأنه يربي ملكة هذه اللغة و تذوقها في نفوس الناشئين به، و نحن نستطيع أن نرى الفرق بين من ينشأ في عائلة يجيد فيها الوالدان اللغة العربية و آدابها و بين من ينشأ في بيت لا يعرف أعضاؤه إلا معجما بسيطا لا أثر له في التربية و لا في الإعداد. و تعظم الفائدة أكثر إذا كانت الأسرة تتكلم عدة لغات؛فإنما تختصر الطريق على الطفل إذ تعلمه لغتين أو ثلاثا يستطيع أن يدخل بها ميدان الدراسة و هو مزود محظوظ، كما يستطيع المجتمع أن يستفيد من خبرته هذه خصوصا في وسط مثل وسطنا الذي تزدحم فيه اللغات،و الطفولة هي مهد الانطباعات الجميلة أو القبيحة، و لذلك فإن للبيت مهمة تربية الذوق الجميل في نفوس أبنائه فيستطيع أن يربي فيهم حاسة الشعور و حبه، و حاسة الرحمة و الشفقة و الحنان،