بينما كنت وصديقي نتجاذب أطراف الأحاديث في مقهى عربي ذات صباح، مر بنا رجل في أسماله البالية يتدلى فوق صدره وسام أخضر. حيّاه صديقي بحرارة ودعاه للجلوس، لكن الرجل رفض وواصل طريقه في صمت. وما كاد يتوارى عن الأنظار حتى ابتدرني صديقي قائلاً: "ألا تعرف هذا الرجل؟" أجبته بالنفي مستفسراً عن هويته. فأخبرني صديقي: "هذا سي شعبان ثري الحرب. كان ثرياً ثراءً فاحشاً، لكن هيئته اليوم لا تدل على ذلك، فقد ضيّع كل شيء ولا يملك قوت يومه، بل هو في حالة أسوأ مما كان عليه." أوضح صديقي أن شعبان كان قبل الحرب العالمية الأخيرة تاجراً بسيطاً خاملاً لا يكاد يسمع به أحد. لكن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية ونشاط تجارة السوق السوداء التي فرضت دستورها، انخرط شعبان فيها مدفوعاً بوفرة الأرباح. وما كادت الحرب تضع أوزارها حتى وجد شعبان نفسه "سي شعبان" بثروة تضخمت لتعد بالملايين. غير المال أطواره وشخصيته، فأصبح حاد المزاج لا يحتمل مزاحاً بريئاً من أحد، ويفرض احترامه على الكل فرضاً. كما تغيرت هيئته وملابسه، واحتلت سلسلة ذهبية سميكة صدره تمرغ في وجوه الناس بثناء الرجل وجاهه. أما حجرته المتواضعة فأبدلت بفيلا أنيقة تكدس الأثاث والرياش في حجراتها، ومما يلفت نظر الزائر مقعد ضخم وثير في صدر حجرة الاستقبال كان عرش "سي شعبان" لا يجلس عليه غيره. شاعت شهرة "سي شعبان" في البلاد، وقصدته جيوش من المحتالين والمرتزقة من كل حدب وصوب، يعرضون مختلف المشاريع والصفقات التي كان "سي شعبان" يشارك فيها بكل سخاء. واستمر الحال هكذا إلى أن تبددت الثروة، وبيعت الأملاك في الديون، وانفرط عقد الصحب والخلان، وذهب الجاه، وفرّت زوجته حاملة ما خف وزنه وثقل ثمنه، ولم يُعثر لها على أثر. ختاماً، قال صديقي: "وها هو كما ترى أصبح في فاقة مدقعة، لم يبق له إلا وسامه وحرف السين." علقت ساخراً: "لعله لم يجد لهما شارياً يدفع فيهما فلساً واحداً." فرد صديقي زافراً: "نعم، مع أنه دفع فيهما مئات الآلاف من الفرنكات." قلت: "لعن الله الحرب، ما أكثر ضحاياها في هذا الوجود." وأضاف صديقي: "ولعن الله ذئاب البشرية، ما أشد خطرها إذا ما أحست شهواتها بجوع."