تحرير وتقرير بقلم: أيمن عبد الزهرة الموسوي تمهيد يدور حديثنا هنا حول واحدة من القضايا التي تمثل نقطة تجاذب واختلاف بين تيّارات متعدّدة في الاجتهاد الشرعي داخل المؤسّسة الدينية وخارجها، ويمكن طرح الموضوع بصيغة سؤال: كيف يتعامل الاجتهاد الشرعي مع موضوع علاقة النصّ بالتاريخ وربط التشريعات بسياقها التاريخي؟ إذا تأمّلنا بدقّة سوف نجدّ أنّ الكثير من السجالات المعاصرة تقف خلفها تاريخيّة التشريعات، وبخاصّة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وصولاً إلى يومنا هذا، يحاول توظيف التاريخيّة بوصفها إحدى السبل لإيجاد توافق مع متطلّبات الحياة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يجعلهما قابلين لمحاكاة الحياة والسير معها. من هنا مقترَحي المتواضع هو أنَّه قد صار من الضروري لعلم أصول الفقه أن يتلقّى هذا الموضوع بجديّة، ويُفرد له باباً خاصاً، والسبب في هذا الاقتراح أنَّه عندما يتلقّف الدرس الأصولي الإسلامي بجديّة موضوعاً من هذا القبيل، وبهذا نخرج من حالة الفوضى التي تتجاذبها الكلمات هنا دون وضع ضوابط محددة، نحو فهم تنظيري حقيقي لفكرة التاريخيّة. 2 ـ ما معنى التاريخيّة التي نقصدها هنا؟ لا نقصد بالتاريخيّة المفهوم الذي يختاره بعض الباحثين في الفكر الحديث، والذي يجعل النصّ الديني نتيجاً للثقافة الزمنيّة، بمعنى أنَّنا حينما نقوم بفهم نصّ معين نأخذ بعين الاعتبار السياق الزمني المحيط بهذا النصّ، ولا نقصر نظرنا فقط على السياقات اللفظيّة المحيطة بالكلام، وإنَّما نلاحظ المسار التاريخي الذي ولد هذا النصّ في داخله؛ 3 ـ لماذا الخوف من التاريخيّة؟ لقد تحوّلت كلمة "التاريخيّة" إلى فزّاعة عند بعض الناس؛ لأنَّهم يتصوّرون أنّنا عندما نقول بأنّ النصّ الديني ـ سواء كان القرآن أم السُنَّة ـ يرتبط بالتاريخ، فهذا معناه أنَّنا نريد أنْ نجعل كلّ الشريعة من شؤون القرون الهجرية الثلاثة الأولى، وبما أنًّنا نتكلّم عن التاريخيّة فهذا معناه أنَّنا نريد أنْ نلغي الأحكام الشرعية، ونعتبر أنّ الشريعة حلٌّ لأهل القرون الأولى وليست حلاً لزماننا. هذا النوع من التعاطي مع موضوع تاريخيّة التشريع بالمفهوم الذي عرّفنا به التاريخيّة، هو في الحقيقة أقرب إلى المنهج الإعلامي التهويلي من جهة، وإلّا فالمنهج التاريخي الذي ندّعيه لا يقول بأنَّنا نضع الأحكام جانباً أو أنّها حلول لأهل القرون الهجريّة الأولى دون زماننا، بمعنى أنّ التاريخية يمكن أنْ نطبّقها لإلغاء حكمٍ بشكل كلّي تقريباً، وممكن أنْ نطبقها لتقييد حكم، فلا يتصور شخص بأنّ التاريخية تعني أنَّنا نريد أنْ نضع هذه الأحكام جانباً ونرميها، في البداية يجب التنويه إلى أنّ كلّ الأمثلة والتطبيقات التي سأذكرها لا يعني ذكري لها بالضرورة أنّني أوافق عليها، التطبيق الأوّل: تعدّد الزوجات والأستاذ محمود محمد طه (1985م)، والإسلام كان بصدد إلغاء التعدّد مطلقاً، فعندما قال أربع، لم يكن يقصد التحديد النهائي، فكان الإسلام بصدد وضع خطة تدريجيّة لإنقاص هذا العدد إلى الواحدة، التطبيق الثاني: الجهاد الابتدائي هذا النمط من استخدام التاريخيّة معناه أنَّنا نستخدم التاريخيّة لاكتشاف أنّ حكماً من الأحكام كان مؤقتاً في زمان معيّن وانتهى ولم يعد له وجود، لأنّه يوحي بأنَّ الفهم التاريخي هو فهم يعطّل الشريعة ويضعها في إطار التاريخ. التطبيق الأوّل: الإكثار من النسل ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في موضوع الإكثار من النسل الذي وردت روايات عديدة تحث عليه. لكنْ عندما كثر المسلمون لم تعد هناك حاجة لفكرة من هذا القبيل، فلم تعد الكثرة العدديّة معياراً في الحروب من وجهة نظر الشيخ مكارم الشيرازي( ). معنى هذا الكلام أنّ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي يقول بأنّ استحباب الإكثار من النسل ثابتٌ وما يزال إلى الآن ثابتاً، غاية الأمر هو ثابت في حال حاجة المجتمع إلى الكثرة العدديّة، وفي أماكن أخرى عندما يكون عندنا كثافة سكّانية إسلاميّة لا نفعل ذلك، فالشيخ مكارم الشيرازي لم يلغِ هنا الحكمَ الشرعي وإنَّما قام بتضييقه وفقاً لفهمه التاريخي، وذلك أنّه وَضَعَ النص في داخل السياق التاريخي، فحثت النصوص عليها، فهذا الحكم لم ينتهِ، بل في كلّ ظرف تكون الكثرة العدديّة فيه حاجة للمجتمع الإسلامي يكون الحكم باستحباب الإكثار من النسل ثابتاً، وفي كلّ موضع تكون الكثرة العدديّة عبئاً على المجتمع الإسلامي يكون الإكثار من النسل غير مستحبّ. وعليه، فهذا التمييز لا يلغي الحكم، وإنَّما يقوم بتضييقه تضييقاً متناسباً مع كيفيّة الربط ما بين صدور النصوص وما بين التاريخ. يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين (2001م) عن استحباب تناول الملح قبل الطعام بأنّ هذا الاستحباب ثابتٌ، لكنّه متناسب مع الظروف المناخية للبلاد الحارّة التي كان النبيّ وأصحابه وأهل بيته ـ في الأعم الأغلب ـ يعيشون فيها، وكان تناول هذه الكميّة من الملح أمراً طبيعياً، وبالتالي لا أستطيع ـ والكلام للشيخ شمس الدين ـ أنْ أعمّم هذا الحكم إلى البلاد الباردة التي يكون تناول هذه الكميّة من الملح فيها مضرّاً( ). بل يقول بأنّني أستنتج ـ من خلال الربط ما بين السياق الزماني المكاني وما بين هذا النصّ ـ أنّ هذا الحكم مضيقٌ، وأنّه خاص بظروف مناخيّة حارّة، خلافاً لما يتصوّره بعض الناس من أنّ التاريخية تلغي الحكم دائماً، ففي هذه الحالة العكسُ هو الذي يجري، حيث تكرّس التاريخيّة الحكم وتوسّعه من خلال تحريره من شكله الزمني. يرى العلامة السيد محمد حسين فضل الله (2010م) أنّ شرط الرؤية في ثبوت الهلال جاء متناسباً مع الوضع التاريخي، كان يتكلّم ضمن فضاء تاريخي خاصّ لم يكن اليقين بولادة الهلال وخروجه من المحاق فيه متيسراً إلَّا من خلال الرؤية، هذا الفهم التاريخي الذي أقامه فضل الله، والذي يربط بين تعبير «صم للرؤية» وبين طبيعة مستوى معرفة الناس آنذاك بولادة الهلال أو عدم ولادته، وإنَّما أثبت رؤية الهلال بوصفها طريقاً لإثبات بدايات الشهور، كما أثبت أيضاً كلّ طريق آخر يفيد اليقين بولادة الهلال، فإذا تطوّرت العلوم ظلّت الرؤية سبيلاً من سبل إثبات بدايات الشهور، إذن، لأنَّه لم يكن هناك طريق آخر شبيه به. التطبيق الثاني: موضوع حرمة الاحتكار المشهور بين الفقهاء أنّ الاحتكار خاصّ بأربعة أو ستة أشياء وهي: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والزيت( )، لأنَّ هذه العناصر كان بها قوام طعام الناس، بل معناه أنّ موضوع حكم الاحتكار صار أوسع، لا في رمي الفتوى ولا في إلغاء علاقة الشريعة بواقعنا المعاصر، وإنَّما في إعادة بناء الفتوى بحيث تصبح أقدر على الاستجابة في بعض الأحيان لحاجات العصر. التطبيق الثالث: الشطرنج وكان الأساس لهذه الفتوى هو الفهم التاريخي للنصوص الحديثيَّة المحرِّمة للشطرنج، حيثُ كانت الشطرنج في وقت صدور نصّ تحريمها آلةً من آلات القمار، فإنّ ما فهمه الناس في ذلك الزمان هو أنّ هذا الرمز القماري محرمٌ، أي آلات القمار محرّمة، فلمّا تحولت حالة الشطرنج من أن تكون آلة قمار ـ كما هو الشائع ـ إلى أنْ تصبح آلة غير قمارية تغيَّر الحكم. إذن، في مقابل ما تطرحه المؤسّسة الدينيّة، بل الفهم التاريخي الذي مارسته المؤسّسة الدينية نفسها نفسها ولو بشكل جزئي دون المستوى المنشود، وسأشير بعد قليل إلى شيء من ذلك. ثانياً: عندما نتحدّث عن الفهم التاريخي، لا نقصد بالضرورة أنّ هذه الأحكام صارت جزءاً من الماضي وانتهت ولم يعد هناك حكم للشريعة في هذا الموضوع، بل بالعكس، وتارةً أخرى يقوم بإعادة إنتاج الحكم بطريقة تجعله أقدر على الاستجابة لمتطلّبات المرحلة الراهنة. 5 ـ التاريخيّة في نصوص أهل البيت وبعبارة أخرى: عندنا مجموعة من النصوص في مجموعة من الوقائع ذكر أهل البيت أنفسهم فيها بأنّ النصّ الذي قاله النبيّ قد قاله ضمن سياق تاريخي، ويجب عليكم أنْ تفهموه ضمن سياقه التاريخي. وهذا الكلام معناه أنّه يوجد في التراث الحديثي ما يعزّز فكرة تاريخيّة بعض الأحكام، بمعنى إعادة الاجتهاد في الأحكام بطريقة تربط النصّ بالتاريخ، 5 ـ 1 ـ النهي عن أكل لحوم الحمير عندما خرج المسلمون باتجاه خيبر ــ والتي تفصلها عن المدينة مسافة كبيرة جداً ــ وبعد أنّ طالت رحلة الجهاد في خيبر أصدرَ رسول الله قراراً وحكماً حاسماً بالنهي عن أكل لحوم الحمير، ويعيد صياغة فهمنا لطبيعة هذا النهي عبر وضعه في سياقه التاريخي. ففي رواية يقول الإمام الباقر: «نهى رسول الله‘ عنها [لحوم الحمير] وعن أكلها يوم خيبر. وإنَّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت؛ ونهي النبي عنه كان لأنَّ الناس عند رجوعهم من خيبر لم يكونوا يمتلكون إلا الحمير إذا أرادوا أن يركبوا على شيء أو يضعوا أمتعتهم، فإذا قاموا بذبحها ليأكلوها ستقع الناس في مشكلة! فكيف يرجعون إلى المدينة في ظلّ هذه المسافة الطويلة وبعد رحلة جهاديّة شاقّة استمرت عدّة أشهر؟! إذن، النهي النبويّ هنا هو نهيٌ حكومي سلطاني ولائي، وهو يعني أنّه نهي تاريخي، وجاء الإمام الباقر ليوضح لنا هذا السياق. وإذا ربطناه به استطعنا فهمه بشكل أفضل. ستكون النتيجة: إذا احتاج الناس إلى الحمير لنقل أمتعتهم ونفوسهم حَرُمَ أكلها، وإنّما كان حكماً مؤقّتاً له علّة، فإذا تجدّدت هذه العلّة تجدّد الحكم. يقول الراوي: سمعت أبا جعفر يقول: «إنَّ الناس أكلوا لحوم دوابهم يوم خيبر، فأمر رسول الله‘ بإكفاء قدورهم ونهاهم عن ذلك ولم يحرّمها»( ). فعندما نلاحظ تعبير نهاهم عن ذلك ولم يحرّمها، لكن كان هناك ظرفٌ خاص دفع رسول الله‘ لإصدار النهي. إذن، 5 ـ 2 ـ حرمة بناء الجدران حول البساتين بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يدخل إلى البستان، ففي الرواية سأل علي بن جعفر أخاه موسى بن جعفر عن رجل يمرّ على ثمرة فيأكل منها؟ قال: «نعم، قد نهى رسول الله‘ أن تستر الحيطان برفع بنائها»( ). عن جعفر بن محمّد الصادق، أنّه سُئل عما يأكل الناس من الفاكهة والرطب مما هو لهم حلال؟ فقال: «لا يأكل أحد إلا من ضرورة، ولا يفسد إذا كان عليها فناء محاط، لكي يأكل منها كلّ أحد»( ). يفهم من هذه الرواية أنّ النهي النبويّ عن بناء سور حول البساتين ليس حكماً شرعيّاً أصلياً إلى يوم القيامة متحرّراً من أيّ قيد، وإنَّما جاء هذا النهي النبوي لأنّ الناس كانت محتاجة للأكل، فإذا وضع كلّ واحد حول بستانه حائطاً، مما يعطينا دلالة على عمليّة الربط التاريخي في هذا الموضوع. يشرح الإمام جعفر الصادق لنا هذا النهيَ النبوي، ففي صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله× عن الوباء يكون في ناحية المصر، أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره، قال: «لا بأس، إنّما نهى رسول الله‘ عن ذلك لمكان ربيئةٍ( ) كانت بحيال العدو، فقال رسول الله‘: الفارّ منه كالفارّ من الزحف، الإمام الصادق يبيّن لنا أنّ الموضوع مرتبط بفقه الجهاد، وليس مرتبطاً بكلّ من ضرب الطاعون مناطقهم وبلدانهم. تؤكّد هذه التوجيهات الحديثيّة من أهل البيت على أنّ بعض النصوص تصدر مرتبطةً بسياقات تاريخيّة، وأنَّه لا يمكن للفقيه أن يحرّر النص من سياقه التاريخي مطلقاً ويأخذه ويقتطعه ويجعله كأنّه معلّق في الفضاء، والعلل والمناطات التي جاء النص لأجلها، وهذه نقطة في غاية الأهميّة والضرورة. إلا أنّ التفات الفقهاء إلى هذا الموضوع كان قليلاً، سأشير إلى هذه القضيّة بشكل سريع، هو نصّ الشيخ الصدوق (381هـ) عندما أراد أن يفهم النصوص الحديثيّة في باب الطبّ فذهب إلى أنّ بعض النصوص الطبيّة لا ينبغي أن نأخذها على إطلاقها مثلاً: أكل الطعام الفلاني دواء من الشيء الفلاني، يقول الصدوق بأنّ هذه لا تؤخذ على إطلاقها؛ لأنّ بعض هذه النصوص مرتبطٌ بهواء مكّة والمدينة ومناخهما، فلا يمكنك تطبيقه في هواء خراسان وبلخ وسمرقند وآذربيجان مثلاً؛ لأنَّ المناخات مختلفة( ). وطلب منّا الصدوق أن لا نفسّر النص بطريقة متحرّرة من هذا القيد المكاني والمناخي، ويعتبر هذا النص للصدوق من أقدم النصوص الصريحة الواضحة التي تربط بين النصّ وسياقه المنفصل. كانوا يتباهون أنَّهم قبل أن يقف الفرس يقفزون عنه، فكانوا أحياناً يقعون على رؤوسهم أو يموتون، فيكون ذلك إيقاعاً للنفس في التهلكة أو ضرباً من الانتحار. هذا الحكم عند ربطه بالوضع التاريخي نكتشف أنَّه تطبيقٌ لحكم اسمه حرمة تعريض النفس للتهلكة، بعد ذلك، كما في النقود المتعاورة( )والأوزان المتداولة، ونفقات الزوجات والأقارب فإنها تتبع عادة ذلك الزمان الذي وقعت فيه. فالمرويّ تقديم قول الزوج، تبعاً لتلك العادة. فيجب فهم النصّ بشكل نعي معه ارتباطاته التاريخيّة، وهذا ليس أمراً سهلاً. حيث تتكرّر جمل من نوع: «حكم في واقعة» أو «هذا حكم في واقعة فلا يُتعدّى» وهكذا. هذه التعابير التي يستخدمها الفقهاء تدلّ على أنّ فكرة التاريخيّة كانت موجودة في أذهانهم، ثمّ يلاحظون أنّ هذا الحكم لا ينسجم مع الروايات الأخرى ولا مع القواعد الشرعيّة ولا مع التأصيلات الفقهيّة الأخرى فهم يقولون ـ وبخاصّة في باب القضاء ـ: هذا أصدره الإمام "قضيّة في واقعة"، وعليه لا يمكننا العمل بهذا الحديث ورمي كلّ القواعد الفقهيّة التي تقف خلفها مجموعة من النصوص الحديثيّة الكثيرة. من القرن الثالث الهجري إلى القرن الثالث عشر الهجري، أستطيع أنْ أقول: إنّ المزاج الشيعي العام ليس ذاك المزاج المتحمّس كثيراً لمقاربة النصوص في ضوء السياقات التاريخيّة بهذه الطريقة. إلا أنّه في العصر الحديث تغيّر الوضع تغيّراً هائلاً وكبيراً جداً داخل فضاء المؤسّسة الدينية، فاكتشفت أنّ تجربة الحياة السياسيّة ـ الاجتماعيّة تتطلّب أحكاماً متغيّرة ـ ولائيّة وسلطانية زمنية ـ من قبل إمام المسلمين. لقد انتبه فقهاء الإماميّة، ولا سيما فقهاء القرن العشرين، وهو تنويع شخصيّة النبيّ والإمام، تبعاً لمتغيّرات وضرورات وقتيّة، وهذا ما طرحه السيد محمّد باقر الصدر (1980م) بشكلٍ صريح، وقضى بين أهل البادية: أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلأ، وفي هذا الضوء نعرف أنّ النبي لم يحرّم على أهل المدينة منع نفع الشيء، أو منع فضل الماء بصفته رسولاً مبلّغاً للأحكام الشرعية العامة، وإنّما حرّم ذلك بوصفه وليّ الأمر المسؤول عن تنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع وتوجيهها توجيهاً لا يتعارض مع المصلحة العامة التي يقدّرها. إضافة إلى شخصيّته التبليغيّة التي تبيّن الأحكام الكليّة للشريعة. هذا التنويع في شخصيّة النبيّ والإمام استمرّ بعد الصدر الى يومنا هذا، فالكثير من الفقهاء ـ بمن فيهم الكثير من المعاصرين مثل الشيخ مكارم الشيرازي والسيد السيستاني وغيرهما ـ بدأوا يتقبّلون بشكلٍ واضح فكرة وجود تشريعات ولائيّة أصدرها أهل البيت. وهذا الأمر فتح المجال على إعادة قراءة شخصيّات المعصوم وطبيعة التشريعات التي يصدرها، موضوع الرقيّة في الحرب، هل أسرى الحرب يصبحون أرقاء أو لا ؟ بعض العلماء قالوا بأنّ القرآن عندما تكلّم عن الأسرى قال: (فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَاْرَهَا) (محمّد: 4). ولم يقل: استرقّوهم، والسبب في عدم ذكر الاسترقاق في القرآن يرجع ـ كما يقولون ـ إلى أنّ مسألة الاسترقاق خاضعة للظرف التاريخي؛ لأنّ أدبيات الحروب بين الناس كانت قائمة على ذلك، فالمسلمون فعلوا ذلك والشريعة سمحت لهم بفعله من باب المعاملة بالمثل، بل إذا رجعت الناس تتعامل بهذه الطريقة فلا مانع من العودة، أما وقد انتهت هذه العادة وانتهت هذه التبانيات العرفية في الحروب فإنّ هذا الحكم يكون قد انتهى. وأنّ شرط الذكورة ثابتٌ في وليّ الأمر، أمّا اليوم وقد تغيّرت الدولة وأصبحت دولة المؤسّسات، يحتاجُ إلى دليل، فلم يوافقوا أو على الأقلّ أثاروا بعض التحفّظات في هذا الموضوع( ). خلاصة ما أريد قوله: إنّ موضوع التاريخيّة من الأهميّة بمكان؛ لأنَّ لديه القدرة على تغيير الكثير من صياغات الفتاوى، ولا أقصد الصياغة اللفظيّة بقدر ما أقصد شكل الفتوى وبُنيتها، ولأنّ لديه القدرة على إيجاد نوع من التناسب بين الأحكام الشرعية ومتغيّرات الحياة.