الذي يجده بنقل تجربته إلى الناس، "ودعوم إلى المشاركة فيها، فهي متنف َّس طل ْق للفنان، يقـص فيها قصة حياة جديرة بأن تستعاد وتقرأ، وتوضح موقف الفرد من اتمع، كما تمنحـه الفرصـة لإبراز مقدرة فنية قصصية إلى حد كبير، لأا تستند إلى الاعتراف")2(. ومن أمثلتها في الأدب العربي الحديث "الأيام"، وإن لم يفـرد لها أكثرهم كتبا مستقلة، كما فعل الإمام الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال"، وابـن حـزم في "طوق الحمامة"، وابن الجوزي في "لفتة الكبد"، وأبو شامة المقدسي في "كتاب الروضتين في أخبار الدولتين"، وممن أفرد لها كتابا أسامة بن منقذ، وسمى كتابه "الاعتبار"، وسمـى كتابه "التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا"، المؤيد في الدين هبـة االله الشيرازي، وأبو الربيع سليمان الحوات الشفشاوي، وهذا النوع من السيرة هو الذي نرى أن يسمى السيرة الذاتية؛ لأنه عمل أدبي منصب على ولا يعنى من الجانب التاريخي إلا بما كـان منـه عنصرا في التجربة التي يكتب عنها. والسيرة العملية ضرب من ضروب الكتابة الوظيفية، وما نعنى بدراسته هاهنا هو السيرة العملية، والسيرة العملية نبذة يكتبها المرء عن نفسه من أجل أن يقدمها إلى جهة، أو عضوية جمعية أو مؤسسة أكاديمية، وإلى الجهات التي تريد أن تحك ِّمه في الأعمال العلمية التي يشترط للتحكيم فيها أن يكون للمحكم من الأعمال العلمية والخبرة الأكاديمية ما يجعله أهلا للتحكيم. وقد يكتبها المرء من أجل التعريف بنفسه، ليطلع عليها من يريد أن يقف على جانب من سـيرته العلميـة والعملية. فالسيرة العملية - إذن - صورة لمسيرة المرء وإنجازاته وتجاربه، يمكن أن تستدل ا الجهة التي تقدم إليها على تاريخه العملي، لتنظر: هل هـي في حاجـة إلى شيء من ذلك، وبناء على ذلك توظفه أو تعتذر إليه. كما أن المؤسسات الأكاديمية حين تطلع عليها تتبين أمر صاحبها، هذا إلى أن اطلاعها على السيرة يمكنها من الموازنة، فالمفاضلة بين مـن يتقـدمون لتـولي وظائفها، أو من تعرض عليها أسماؤهم للاستعانة م في بعض أعمالها. وعلى الموازنة يبنى اصطفاء ولما كانت غاية السيرة العملية التعريف والتوظيف كانت في غنى عن تفاصـيل حيـاة وكل ِّ ما ليست له صـلة مباشرة بالعمل الذي يتقدم إليه. وينبغي أن تقتصر على إيراد ما يهم الجهة التي ستقدم لها، ولا تفريط في ذكر ما ينبغي أن يذكر، وأن تلتزم الصدق والدقة في كل ما تـورد؛ لأن الجهة التي تقدم لها ستقوم بالتحري عن صحة ما فيها، فإن تبين أن فيها مـا لا يصـح، كان لذلك أثر سلبي في نفوس من تقدم لهم؛ أو مؤسسة من لا تثق بصدقه واستقامته ونزاهته.