الإسلام في مواجهة الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل. فكان الأبَ الروحي للحزب الوطني المصري والذي كتَب برنامجَه تلميذُه محمد عبده. فعاليتَها في المقاومة الإسلامية في فلسطين وجنوب لبنان وأفغانستان قبل أن تتحول المقاومة الأفغانية ضد الاحتلال السوفيتي إلى حرب أهلية ومقاومة البوسنة والهرسك العدوان الصربي ظهرَت دلالة الأفغاني في ذكراه المئوية الأولى، لحاقًا به بعد أن كانت النتائج تتناقض مع المقدمات، وأصبح الجيل السادس من الإصلاحيِّين على طرف نقيض من جيل الرواد الأوائل، لأنه لم يَعُد موضوعَ اهتمام في عصر الاستقطاب في الخطاب السياسي الحالي بين السلفيِّين والعلمانيِّين، صراعًا على السلطة وليس تأصيلًا للفكر حتى انقسمَت الأمة إلى فريقين متقاتلين متخاصمين، والعدو يحاصر من على الأبواب، الإسلام في مواجهة الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل وانتشرَت تعاليمُه عند بعض رجال الدين وضباط الجيش والأدباء والمفكرين المهاجرين من الشام اندلعَت الثورة العرابية في مصر للمطالبة بالحرية والدستور والمساواة بين الوطنيِّين والأجانب. واستمرَّت روحها عند عبد الله النديم. ونُفيَ عرابي ورفاقه إلى سرنديب في المحيط الهندي ارتدَّ تلميذُه محمد عبده، ونَدِم على اشتراكه في هوجة عرابي وفتنة العرابيِّين. وآثر محمد عبده التحولَ من السياسة إلى التربية، ومن الثورة السياسية إلى التغير الاجتماعي، ومن النفَس القصير إلى النفَس الطويل ابتداء من إصلاح اللغة العربية والمحاكم الشرعية والتحول بالوقائع المصرية من ثبت للقوانين إلى مقالات نقدية إصلاحية. وانتصرَت القومية الطورانية على الجامعة الإسلامية، فارتدَّت الحركة الإصلاحية مرة ثانية من السلفية المجاهدة عند الأفغاني إلى السلفية المحافظة عند محمد بن عبد الوهاب الذي ردَّه إلى ابن تيمية الذي ردَّه بدوره إلى أحمد بن حنبل باسم النص. وتحوَّلت الدولة القاعدة من مصر إلى السعودية، ومن الدستور والبرلمان إلى القبيلة والأسرة. وتحقيق حلمه لتأسيس حزب إسلامي ثوري يقوم بتحقيق الأيديولوجية الإسلامية الثورية أسس الإخوان المسلمين في الإسماعيلية وعلى ضفاف القناة وأمام جنود الاحتلال الإنجليزي في الشرقية، وأصبحت الجماعة بعد الوفد أكبرَ تنظيم سياسي شعبي في الأربعينيات قبل الثورة المصرية وبعدها بسنتين. ولما اغتيل حسن البنا في ١٩٤٩م وبداية تكوين التنظيم السري، وبعد الصدام بين قيادة الإخوان والضباط الأحرار في ١٩٥٤م واستشهاد بعض قياداتهم ونزول الإخوان تحت الأرض وتعذيبهم في السجون نشأ جيلٌ جديد منهم رافضٌ غاضب. يودُّ الانتقام من المجتمع والثأر من النظم العلمانية الليبرالية والقومية والماركسية خاصة بعد أن تحوَّل سيد قطب في السجن وتحت أهوال التعذيب من العدالة الاجتماعية في الإسلام ومعركة الإسلام والرأسمالية والسلام العالمي والإسلام إلى معالم في الطريق الذي يكفِّر المجتمع ويقسِّمه إلى إیمان وكفر، ولا علاقة بين الاثنين إلا بقضاء أحدهما على الآخر. فارتدَّت الحركة الإصلاحية مرة ثالثة لتكوِّن جيل الجماعات الإسلامية الحالية. وإلى الأفغاني تعود الفعالية للحركة الإسلامية المعاصرة في أفغانستان أثناء حرب الاستقلال ضد الغزو السوفيتي قبل أن تتحول إلى حرب أهلية بين الفِرَق، وفي البوسنة والهرسك بالرغم من عجز المسلمين على مدى ثلاث سنوات وانتظار القطب الأوحد في العالم لإنهاء الصراع على حساب المسلمين، وفي لبنان وفلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي دون استنارة الأفغاني وليبراليته ودعوته إلى حرية الفكر والنظم البرلمانية والدستور. فقد بعدت المسافة بين ليبرالية القرن الماضي وأوائل القرن، وبين هذا الجيل بعد أن قضَت الثورات العربية الأخيرة منذ أوائل الخمسينيات على النظم الليبرالية العربية، ويبدو أن طول اضطهاد الحركة الإسلامية واستبعادها من العمل الوطني على مدى نصف قرن حولها إلى حركة مناهضة تقابل الإقصاء بالإقصاء، والاستبعاد بالاستبعاد، وتواجه العنف بالعنف، الاستعمار والصهيونية، مرحلة التحرر الوطني ضد الاستعمار، ومرحلة التحرر الاجتماعي ضد التخلف وبعد استقلال الدول. بل يعطي البعض الأولوية للنضال ضد الداخل على النضال ضد الخارج ولتحرير الأنظمة العربية من الطاغوت على تحرير فلسطين من الاستعمار الاستيطاني. أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، وجاعلين الجهاد الأكبر هو جهاد النفس، والجهاد الأصغر هو الجهاد ضد العدو الخارجي بالرغم من تحذير الإخوان الأوائل من سوء تأويل الأحاديث وعدم التيقن من صحتها لخطورتها على الجهاد ضد الاستعمار والصهيونية. وتظهر دلالة الأفغاني في عصر الاستقطاب بين خطابَين سائدَين في الفكر العربي المعاصر، وهو الخطاب الذي حاول اليسار الإسلامي إعادةَ صياغته في أوائل الثمانينيات في بداية الاستقطاب. أما وأن الاستقطاب تحوَّل إلى حرب أهلية في الجزائر وإراقة الدماء بالآلاف، ويُثير القلاقل في مصر واليمن والخليج وليبيا ولدرجة الكبت في سوريا والعراق والمغرب وتونس فقد أصبحت دلالة الخطاب الثالث عند الأفغاني، وظهرَت محاولات لتشويه صورة الأفغاني في جيلنا من أجل قطع جذور نضالنا الوطني والقضاء على الإسلام الثوري إبقاءً للاستقطاب بين الإسلام السلفي والثورة العلمانية الغربية، فكل شيء سيِّئ في الأفغاني حتى الوطنية والمعاداة للاستعمار ودعوته للجامعة الشرقية في مواجهة الغرب؛ فالوطني إرهابي، ١) إيراني ولیس أفغانيًّا وكأن الجنسية عنصر حاسم في حياته ورسالته وآرائه. وهو الذي حارب الجنسية كرابط بين الجماعة وكعامل توحيد بين الأقوام. وهو الذي ردَّ على رينان في الربط بين الثقافة والعرق ونظريته العنصرية التي راجَت في القرن الماضي، فالتركيز على الجنسية إسقاط من الحاضر على الماضي، ومن الدولة الوطنية المعاصرة على عصر الخلافة. ويتحول الحديث عن الجنس إلى حديث بيولوجي عرقي عن ملامح الوجه ولون البشرة وفصيلة الدم في ثقافة ساوَت بين الشعوب، ادعى أنه من أهل السنة للوصول إلى قلوب الأغلبية من المسلمين. بل إنه بابي بهائي من فرقتَين شيعتَين معاصرتين أخرجهما المسلمون من الأمة لادِّعاء الباب وبهاء الله النبوة، والأفغاني نفسه يدعو إلى وحدة الأمة وتجاوز هذا الخلاف التاريخي. ٣) إرهابي انقلابي، وهو الاتهام الذي يُلقى عادة على كلِّ الثوريين من الأنظمة الرجعية التسلطية أو نظم الاحتلال مثل اتهام المقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني بالإرهاب. الإرهاب أفعال فردية أو جماعية محاصرة لا تجد مَن يساندها. في حين أن الثورة حركات شعبية بدليل اندلاع كثير من الثورات في العالم الإسلامي بفضل تعاليمه. وقد قامت الانقلابات الحديثة بفضل الجيوش في البلاد النامية بتثوير مجتمعاتها في الخمسينيات والستينيات وكما حدث في الثورات العربية الأخيرة. كما نجحَت الثورة الإسلامية في إيران ضد إرهاب الشاه والسافاك. ومع ذلك فالأفغاني من كبار المدافعين عن النظم البرلمانية والتعددية الحزبية والدستور والملكيات المقيدة حتى أصبحت الليبرالية الغربية نمطًا للتحديث في الحركة الإصلاحية لا فرق بينها وبين الليبرالية السياسية عند الطهطاوي وخير الدين التونسي أو العلمانية عند شبلي شميل وفرح أنطون وسلامة موسى وزكي نجيب محمود. ينتقل من استبداد إلى استبداد حتى ولو قال بالمستبد العادل. وأولوية الأولى على الثانية في حالة التعارض؛ لأن الحاكمَ القويَّ ضروريٌّ للدفاع عن البلاد، ويستطيع العالم أن ينبهَه على ضرورة مراعاة العدل ومقاومة الظلم. يتآمر على عزل إسماعيل، واختفت رسالة التأسيس التي أرسلها له السلطان لهذه الغاية. كما ادعى باحث آخر من نفس الملة اختفاء رسالة خطيرة من محمد عبده إلى تولستوي. لو ظهرَت لكشفَت النقاب وبان المستور. لا يعني ذلك أنه ضحَّى بالفكر من أجل السياسة أو تنازل عن النظر من أجل العمل بل يكشف عن القدرة على تجميع المذاهب والفِرَق تحقيقًا لوحدة المسلمين. إذ يقول عن نفسه بالنثر الفارسي: الإنجليز يعتقدون أني روسي والمسلمون يظنون أني مجوسي، وبعض أصحاب الرفاق الأربعة يعتقدون أني وهَّابي، والمؤمنون بالله يظنون أني مادي والأتقياء يتصورون أني خاطئ مجرد من التقوى، وفي نفس الوقت له صورة أخرى: عالمٌ دینيٌّ قويُّ الإيمان، وهي نفسُ صورةِ كلِّ مفكر من هذا النوع يحاول أن يلمَّ الشمل، ويجمع بين فِرَق الأمة، وعند الدولة إخوانيٌّ شيوعيٌّ. وهي نفس التهمة التي قيلت على عبد الناصر في عصر الاستقطاب، بل وعلى كلِّ الزعماء الوطنيِّين في العالم الثالث في عصر التحرر الوطني. بل وقيلت على لينين إنه عميل لألمانيا، انضم إلى عديد من المحافل الماسونية، ما دام يريد السيطرة على العالم مثلها. ويهودي صهيوني بالرغم من أنه تُوفي في نفس العام الذي عقد فيه المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بزعامة هرتزل. وينبِّه على صداقته للشوام إقلالًا من مصريته في ثقافة لا تقوم على القومية ولدى مفكر يسعى إلى وحدة الأمة بداية بين مصر والشام. وهو الذي رفض تتويجه على السودان. وعادة ما يتهم كل زعيم وطني بأنه يعمل لصالحه وليس للوطن مما يدفع بعض الزعماء للتوحيد بينهم وبين الأوطان كما فعل ديجول في عبارته الشهيرة أنا فرنسا. ١٠) مثالي لم يَعِ الواقع القطري. فكان دفاع الأفغاني عن وحدة الأمة حماية لها من الاستعمار الذي يتوحَّد للقضاء عليها بعد تفتيتها. فلا فرق بين الاستعمار الإنكليزي والروسي والفرنسي. والخطاب العربي المعاصر ما زال على هذا المستوى من التنظير؛ وهو نفس نوع الخطاب في الثورة الفرنسية، والثورة الأمريكية والثورة الروسية مع اختلاف في الدرجة وليس في النوع. هذا التشويه المتعمد لصورة الأفغاني هو في الحقيقة قضاء على جذور النضال الوطني في وقت تشتد فيه الحاجة إلى التمسك بها حرصًا على وحدة الوطن وكرامته. لم يترك له حسنة واحدة مثل عدائه للاستعمار وللاستبداد وتثويره للمسلمين وتوحيده للقوى الثورية. يشقُّ على القلوب لمعرفة ولائها وهو ما قد ينطبق على الباحث أيضًا. يسقط التصور القومي على مسيرة حياته، من المرحلة الأفغانية إلى المرحلة التركية إلى المرحلة المصرية، ٧ يحول الفكر إلى تاريخ. والمفكر إلى رحلاته من أجل القضاء على استقلال الفكر وقدرته على التأثير ما دام وليدَ الظروف، وينضم إلى موقف الخصوم الذين اتهموا الأفغاني بالإلحاد ولإنكاره النبوة وتشبيهها بالصناعة، وتقريبه بين النبي والفيلسوف.