من الضروري أولاً تبيان ماهية التراث الثقافي من المنظور التشريعي الوطني، من خلال تحديد مدلوله اللغوي والاصطلاحي، وتتبع التطور القانوني والمؤسساتي الذي عرفه، وصولاً إلى تبيان القيمة القانونية والمعايير التي اعتمدتها النصوص التشريعية الجزائرية، لا سيما القانون الإطار رقم 98-04، في تصنيف وتوصيف الممتلكات الثقافية وإدراجها ضمن آليات الحماية الأمنية والقضائية. **المطلب الأول: تعريف التراث الثقافي** قبل الخوض في الجوانب القانونية للتراث الثقافي، يجب ضبط مفهومه لغوياً واصطلاحياً، ثم وفق المشرع الجزائري. **الفرع الأول: مدلول التراث الثقافي لغة** كلمة "التراث" مشتقة من الفعل (ورث)، وتعني ما ينتقل من السلف إلى الخلف، سواء كان مالياً (نقدي، عيني) أو معنوياً (حق المؤلف)، أو ثقافياً (كالآثار والمخطوطات)، أو طبيعياً (كمناجم التراث الطبيعي). هو كل ما خلفه السلف من آثار علمية وفنية وأدبية، مادية (كالكتب والآثار) أو معنوية (كالآراء والأنماط والعادات الحضارية)، ويعتبر نفيساً لثقافة العصر. كلمة HERITAGE اللاتينية تعني الميراث. أما كلمة "ثقافي" فمشتقة من الفعل (ثقف)، وتعني مجموع العلوم والمعارف والفنون والعادات التي توصلت إليها أمة. ويُنسب إلى ابن خلدون كأول من استخدم كلمة "ثقافة" بمعناها الحديث، مشيراً للمعرفة المدنية المكتسبة. لغوياً، "ثقافة" تحمل معنيين: الأول هو الحذق والسرعة في الفهم، والثاني هو المصادفة أو الأخذ. **الفرع الثاني: التعريف الاصطلاحي** التراث مفهوم واسع، يختلف الباحثون في تعريفه. يعرفه البعض بأنه "ما تركه السلف من الأجداد في مختلف مناحي الحياة وميادينها كالثقافة والتاريخ والفن والصناعة والعمران والتقاليد". ويعرفه آخرون بأنه ما أنتجته الحضارات والأمم السابقة من تجارب مادية ومعنوية (فكر، علم، أدب، فنون، عمران). وعرفهُ الدكتور عبد الغني عماد بأنه "مجموعة النماذج الثقافية التي يتلقاها الفرد من الجماعات، وتتضمن العادات والتقاليد والعقائد الموروثة". وقد تطور مفهوم التراث ليصبح شاملاً، فاليونسكو وسعت مفهوم التراث الثقافي ليشمل ليس فقط المعالم التاريخية والقطع الفنية والأثرية، بل التقاليد وأشكال التعبير الحية المتوارثة، مثل: علوم الموسيقى، الرقص، الاحتفالات الدينية، فنون الطبخ، التعابير الأدبية الشفوية والقصص التاريخية، الحكايات والأساطير والألغاز والأمثال، والألعاب التقليدية. **الفرع الثالث: التعريف القانوني للتراث الثقافي** **أولاً: تعريف القانون الدولي للتراث الثقافي** الصكوك الدولية السابقة لاتفاقية لاهاي 1954 افتقرت لتعريف جامع للممتلكات الثقافية، واقتصرت على إيراد نماذج. **اتفاقية لاهاي لعام 1954 (م1)** عرفت الممتلكات الثقافية بأنها: أ- الممتلكات المنقولة أو الثابتة ذات الأهمية الكبرى لتراث الشعوب (مبانٍ معمارية، فنية، تاريخية، دينية، دنيوية، أماكن أثرية، مجموعات مبانٍ، تحف، مخطوطات، كتب، مجموعات علمية، محفوظات). ب- المباني المخصصة لحماية وعرض هذه الممتلكات (متاحف، دور كتب، مخازن محفوظات، مخابئ). ج- المراكز التي تحتوي على مجموعة كبيرة منها ("مراكز الأبنية التذكارية"). **اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي 1972 (م1)** عرفت التراث الثقافي بـ: الآثار: أعمال معمارية، نحت، تصوير، عناصر أثرية، نقوش، كهوف، مجموعات معالم ذات قيمة عالمية استثنائية من التاريخ/الفن/العلم. المجمعات: مجموعات مبانٍ منفصلة أو متصلة، ذات قيمة عالمية استثنائية من عمارتها/تناسقها/اندماجها في منظر طبيعي/تاريخها/فنها/علمها. المواقع: أعمال الإنسان أو مشتركة مع الطبيعة، بما فيها الأثرية، ذات قيمة عالمية استثنائية من التاريخ/الجمالية/الإثنولوجيا/الأنثروبولوجيا. وعرفت (م2) منها التراث الطبيعي بأنه: المعالم الطبيعية المتألفة من تشكلات فيزيائية أو بيولوجية، ومناطق لمواطن الأجناس المهددة، ومواقع طبيعية ذات قيمة عالمية استثنائية. **قانون الآثار العربي الموحد 1981 (م1)**: يعتبر أثراً أي شيء خلفته الحضارات أو الأجيال السابقة (عقار أو منقول) يتصل بالفنون أو العلوم أو الآداب أو العقائد أو الحياة اليومية، يرجع تاريخه لمائة سنة وله قيمة فنية أو تاريخية. ويجوز للسلطة الأثرية اعتباره أثراً لمصلحة وطنية، بغض النظر عن تاريخه، ويشمل الوثائق والمخطوطات وبقايا السلالات. كما ورد تعريف الممتلكات الثقافية في **البروتوكول الأول (م53) والثاني (م16) لاتفاقية جنيف لعام 1949 (1977)** على أنها: "الآثار التاريخية والأعمال الفنية وأماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب لأهميتها التاريخية أو الفنية". وعرفت **اتفاقية روما لحماية الأموال الثقافية 1957** "المال الثقافي" بأنه: "الذي يتميز بأهميته التاريخية أو الفنية التي تجاوز التقييم الاقتصادي العادي ويستوجب الحماية". وجاء تعريف الممتلكات الثقافية في **اتفاقية توحيد القانون الخاص بشأن الممتلكات الثقافية المسروقة أو المصدرة بطرق غير مشروعة (اليونيدروا) 1995 (م2)** على أنه: "الممتلكات التي تكتسب أهمية بالنسبة إلى ميادين علم الآثار، ما قبل التاريخ، الأدب، الفنون أو العلوم، والتي تنتمي لإحدى الفئات المذكورة في ملحقها". وقدمت **اتفاقية اليونسكو بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه 2001 (م1)** تعريفاً للتراث الثقافي بأنه: "جميع آثار الوجود الإنساني ذات الطابع الثقافي أو التاريخي أو الأثري والتي ظلت مغمورة بالمياه لمدة 100 عام على الأقل (كمواقع، هياكل، مبانٍ، مصنوعات، رفات بشرية، سفن، طائرات)، باستثناء خطوط الأنابيب والكابلات المستمرة بالاستخدام". وورد تعريف التراث الثقافي في **المادة الثانية من اتفاقية مجلس أوروبا الإطارية بشأن قيمة التراث الثقافي للمجتمع** على أنه: "مجموعة من الموارد الموروثة من الماضي يعتبرها الناس مرآة لقيمهم ومعتقداتهم وتقاليدهم المتطورة، وتشمل جميع جوانب البيئة الناتجة عن التفاعل بين الناس والمكان عبر التاريخ". كما تطرقت **اتفاقية اليونسكو لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي 2005 (م4)** للتراث الثقافي من خلال تعريفها للتنوع الثقافي بأنه: "تعدد الأشكال التي تعبر بها الجماعات والمجتمعات عن ثقافاتها، مما يثري التراث الثقافي للبشرية ويتجلى في تنوع أنماط إبداع وإنتاج وتوزيع أشكال التعبير الفني". **ثانياً: تعريف التراث الثقافي في التشريع الجزائري** عرف المشرع الجزائري التراث الثقافي في **القانون رقم 98-04 المتعلق بحماية التراث الثقافي في مادته الثانية**: "يعتبر تراثاً ثقافياً للأمة جميع الممتلكات الثقافية العقارية والعقارات بالتخصيص والمنقولة، الموجودة على أرض العقارات والأملاك الوطنية وفي داخلها، المملوكة لأشخاص طبيعيين أو معنويين، والموجودة كذلك في الطبقات الجوفية للمياه الداخلية والإقليمية، الموروثة عن مختلف الحضارات المتعاقبة منذ عصر ما قبل التاريخ إلى يومنا هذا. وتعتبر جزءاً من التراث الثقافي للأمة أيضاً الممتلكات الثقافية غير المادية الناتجة عن تفاعلات اجتماعية وإبداعات الأفراد والجماعات عبر العصور والتي لا تزال تعبر عن نفسها". ينقسم التراث الثقافي وفق هذا القانون إلى: **1. التراث المادي أو الممتلك الثقافي العقاري الثابت:** يشمل ممتلكات مادية حديثة وقديمة ذات قيمة تاريخية (الآثار). وعرفها الأستاذ مصطفى كامل شحاته بأنها "كل أنواع المنقولات والعقارات التي تمثل أهمية للتراث الثقافي لشعب ما، مثل المتاحف والأضرحة والمواقع الأثرية والمخطوطات، والتي تعد ركائز للحضارة ومصادر إشعاع المعرفة الإنسانية". والممتلكات الثقافية العقارية تشمل: * **المعالم التاريخية (م17 من القانون 98-04)**: "أي إنشاء هندسي معماري منفرد أو مجموع يقوم شاهداً على حضارة معينة أو على تطور هام أو حادثة تاريخية"، مثل المنجزات المعمارية الكبرى، الرسم والنقش، الفن الزخرفي، الخط العربي، المباني أو المجمعات المعلمية الفخمة ذات الطابع الديني أو العسكري أو المدني أو الصناعي، هياكل ما قبل التاريخ، المعالم الجنائزية، المغارات، الرسوم الصخرية، والنصب التذكارية. * **المواقع الأثرية (م20 من القانون 98-04)**: "مساحات مبنية أو غير مبنية دونما وظيفة نشطة، نتجت عن أعمال الإنسان أو تفاعله مع الطبيعة، ولها قيمة من الوجهة التاريخية أو الأثرية أو الدينية أو الفنية أو العلمية أو الإثنولوجية أو الأنثروبولوجية"، بما فيها المحميات الأثرية والحظائر الثقافية. * **المجموعات الحضرية أو الريفية**: قطاعات محفوظة للمجموعات العقارية الحضرية أو الريفية (كالقصبات، المدن، القصور، القرى) المتميزة بتجانسها ووحدتها المعمارية والجمالية، ولها أهمية تاريخية أو معمارية أو فنية أو تقليدية تبرر حمايتها وإصلاحها. **2. الممتلكات الثقافية المنقولة:** تشتمل على ناتج الاستكشافات الأثرية (في البر وتحت الماء)، الأشياء العتيقة (كالأدوات، الخزفيات، الكتابات، العملات، الحلي، الألبسة التقليدية، الأسلحة، بقايا المدافن)، العناصر الناجمة عن تجزئة المعالم التاريخية، المعدات الأنثروبولوجية والإثنولوجية، والمباني الثقافية المتعلقة بالدين وتاريخ العلوم والتقنيات والتطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.