إن شيئًا في تركيبنا الثقافي يوسوس لنا دائمًا بأن العقل وحده لا يكفي سندًا للإنسان في حياته، وعلى الرغم من يقيني بأهمية الجانب الوجداني في حياتنا، فلطالما أحسست بواجبي في الإعلاء من شأن العقل — والعقل يتبعه قيام العلم ومنهاجه — حتى لو ذهبت في ذلك الإعلاء إلى حد المبالغة لأحدث نوعًا من التوازن في حياتنا بين عقل ووجدان؛ لا فرق في ذلك بين حضارة المسلمين إبَّان قوتها، فلقد قامت حضارة المسلمين — كما قام غيرها — على واقع وعلى علم بذلك الواقع، إنني لم أكن أقنع بكل ما حدث في حياتنا الفكرية من تغيرات كان من شأنها أن تُحْدِثَ لنا أسسًا جديدة في السياسة والاقتصاد والتعليم وبناء المجتمع؛ وذلك لأنني برغم ذلك كله فلقد رأيتها تغيرات على السطح، فما زال الناس — وحتى المثقفون منهم — تميل بهم نفوسهم نحو التشكك في العقل الإنساني وقدرته، فأقول: إنه قد تكون لدينا أنوال قديمة لنسج القماش، فهل تحدث ثورة في صناعة النسيج إذا نحن أبقينا على الأنوال القديمة كما هي، ومن طريقة توزيعه على الناس؟ فمثلًا: كان القماش الناتج على تلك الأنوال القديمة يوزَّع على المدن وحدها، ليتغير نوع القماش الناتج تبعًا لذلك؟ وأن نغير من اتجاه السير، فنذهب بالأفكار من المدينة إلى الريف، أو نأتي بها من الريف إلى المدينة، ونعلو بها من أدنى إلى أعلى، أو نهبط بها من أعلى إلى أدنى، فما دامت «أنوال النسيج» باقية على حالها؛ لأن الثورة هي في أن تتغير الأنوال … لعل أهمها جميعًا هو الركون إلى «سلطة» فكرية نستمد منها الأسانيد، وإن تكن تتمثل أحيانًا كذلك في أقوال يتبادلها الناس، وهي التي تُسمَّى بالعرف أو بالتقاليد، ومن هنا اشتد سلطان الماضي على الحاضر، كنت ألحظها في وضوح منذ الأربعينيات الأولى، أو هو الموسيقى وهي تعزف لحنًا فيرقص الراقصون على لحن آخر؛ وذلك لأن سطح الحياة — كما يبدو لأعين المشاهدين — فيه كثير جدًّا من ظواهر الحياة العصرية: فهنالك المصانع ووسائل النقل والمواصلات والطباعة ونظم الحكم ونظم التعليم وغيرها وغيرها، كلها يجري مع العصر في ظاهره، لكن هذه الظواهر الحضارية العصرية كانت تقضي ضربًا من منطق التفكير العقلي يكون مستترًا وراءها، لكنه إذا ما ترك عمله لينخرط مع سائر الناس في تيار الحياة؛ وجدته يؤمن بالخرافة إيمان مَنْ لم يحصِّل من العلم حرفًا واحدًا. إذ غيرت المنهج الفكري المتمثل في المنطق الأرسطي القديم، وإذا أردنا نحن الآن نهضة كنهضتهم فلا يكفي أن نقطف ثمارهم ونُركِّبها على جذور عتيقة، ومحور التغيير المطلوب هو أن نستبدل بفكر يحبس نفسه في مقدمات موروثة فكرًا جديدًا يقيم نتائجه على قراءة الطبيعة ذاتها. ففي ختام الفصل المعنون «تحولات في المناخ الفكري» (في كتابي «هذا العصر وثقافته») قلت: «… وعقيدتي أن ثورة فكرية كهذه لم تحدث لنا من خلال هذا القرن كله برغم التغيرات الكثيرة والهامة التي طرأت على صورة الحياة؛ والعجيب الذي يلفت النظر هو أن الفجوة الكائنة بين ذلك النَّمط الفكريِّ من جهة وتفصيلات الحياة الجديدة من جهة أخرى لا تُحْدِث فينا شيئًا من القلق أو التوتر الذي لو حدث؛ لحفزنا إلى سد الفجوة بالملاءمة بين المبادئ العامة وتفصيلات الحياة العملية. في الأوائل الأولى من سنة ١٩٦٥م أنشأت — باسم وزارة الثقافة — مجلة «الفكر المعاصر» وأشرفت على تحريرها ما يقرب من أربع سنوات، ولقد رسمت لها سياستها منذ صدورها أن تقصر نفسها على ما هو «فكر» وما هو «معاصر» من ذلك الفكر، ما دامت قد استهدفت جودة الفكرة بغضِّ النظر عن «السياسة» التي انبعث منها ذلك الفكر الجيد. وكان المناخ الفكري في مصر إبَّان الستينيات مليئًا بأفكار جديدة تولَّدت عن الروح الثورية التي أرادت بطموحها أن تغير حياتنا نحو الأفضل بكل ما استطاعت من جهد وقوة، بل إن ذلك الغموض كثيرًا ما أدى إلى الخطأ الصريح الذي لم يكن يخلو من خطورة على أفهامنا وحسن تصورها للمعاني التي تريد استخدامها أداة للثورة الفكرية، فآليت على نفسي أن أنشر في مجلة «الفكر المعاصر» فصولًا أتناول في كل فصل منها أفكارًا رئيسية من تلك الأفكار الشائعة؛ وكنت في معظم الحالات أنتهي إلى نتائج لم تكن هي ما يفهمه عامة المفكرين في حياتنا الثقافية يومئذٍ، أ) كانت هنالك دعوة تهيب بكل المواطنين أن يتَّحدوا في الفكر ليكونوا من أمور دنياهم — بل وأمور آخرتهم كذلك — على رأي واحد، فالإنسان كائن عضوي هادف يوجِّه نشاطه الحيوي نحو غايات بعينها، تصبح هي الخيوط الرابطة لأوجه النشاط على اختلافها، فإذا وضعنا المعنى الذي نريده في جملة مركَّزة مختصرة، قلنا: إن وحدة التفكير هي في وحدة الهدف، فقد وقع في تفكك وتمزق، يريد بعضه شيئًا ويريد بعضه الآخر شيئًا آخر، ولكنها تُعَد حالة مرضية أن توزع النفس بين النقائض والأضداد، وطريق الشفاء إنما يكون في أن يعرف المرء حقيقة نفسه ليعلم أي النقيضين أو الضدين يختار. أو بعبارة أخرى: هو في تركيز الانتباه في غايات معينة، لكن هذا الذي ذكرناه يترك مسألتين هامتين لاختلاف الرأي اختلافًا حرًّا، أولاهما: ماذا عسى أن يكون الهدف الرئيسي الذي نبحث له عن الوسائل الموصلة إليه؟ أنترك فردًا واحدًا يحدد لنا هدفنا ثم يصيح فينا أن اتحدوا تحت لوائه؟ والمسألة الثانية هي: ما أفضل الوسائل للوصول إلى الهدف المختار؟ إنه إذا لم تترك للأفراد حرية القول في هاتين المسألتين؛ وقعنا في قبضة فرد مستبد حتى ولو كان في استبداده سليم النية في إخلاصه لبلاده. ولو اقتصر الأمر في ذلك على الحدود التي تجعل لتلك القسمة معنى؛ لكنه تقسيم اتسع حتى شمل جوانب لا يمكن عقلًا أن تندرج تحت الانقسام إلى يمين ويسار، فطرحت الموضوع أمام نفسي للنظر التحليلي الهادئ التربة، وكان ذلك بعنوان «يمين الفكر ويساره، ما معناهما؟» (راجع كتاب «في حياتنا العقلية») فقلت فيما قلته: وهذا الرجل وذاك. ولقد تساءلت — مخلصًا لنفسي السؤال والبحث عن الجواب: ماذا يا ترى عساها أن تكون تلك الصفات التي إذا ما توافرت في شخص أدخلته في زمرة اليمين أو في زمرة اليسار؟ ولما حاولت الإجابة؛ وجدت الأمر أعقد من أن تجيء إجابة سريعة أطمئن إلى صوابها؛ ذلك لأنه لو كانت التفرقة مقصورة على يمين في ناحية ويسار في ناحية، لَمَا كان للتقسيم مغزًى عند من تعنيه الآثار الفعلية للأفكار النظرية، لكنني ألاحظ أن ثمة صفتين أخريين — على الأقل — تلحقان باليمين على أقلام الكاتبين، كما تلحق النتيجة بمقدمتها، فإذا هم وضعوا رجلًا في زمرة اليمين وصفوه في الوقت نفسه بالرجعية وباللاعلمية في وجهة النظر؛ لأن اليسار وحده — هكذا ألاحظ في الاستعمال الجاري — هو التقدمي وهو العلمي، وإذا كان هذا هكذا فليس الأمر من قلة الشأن بحيث نتركه يمضي بغير تحديد. فلا يكون الذهب نحاسًا ولا النحاس ذهبًا؟ أو هما متداخلان كما يتداخل الشعر والموسيقى في شيء واحد بعينه — هو الأغنية — تداخلًا يجيز لك أن تعد الأغنية شعرًا إذا شئت، وأن تعدها موسيقى إذا شئت؛ لأنها شعر وموسيقى في آنٍ واحد؟ …» وهكذا مضيت ألقي أضواء التحليل على هذا التقسيم؛ لأخلص آخر الأمر إلى أنه تقسيم قد يكون له معناه في بعض المجالات كالاقتصاد والاجتماع، وحتى في هذه المجالات فالأمر مرهون بتعريف اشتراطي يحدد معنى النقطتين تحديدًا عرفيًّا، أما سائر ميادين الفكر فمن العسير أن نرى متى يكون الموقف يمينًا ومتى يكون يسارًا إلا مع تعسف شديد. ومن طريف ما أذكره في هذا السياق أنني كثيرًا جدًّا ما فوجئت بأن أجد كاتبًا قد نعتني باليمين، كما أفاجأ بكاتب آخر ينعتني باليسار، وكاتبًا رابعًا يحدده بأنه يسار اليمين، وكان ذلك كله مؤسَّسًا على موقف فكري واحد التزمته ولم أغير منه شيئًا ذا بال، شارحًا به «التجريبية العلمية» (أو الوضعية المنطقية) التي أخذت بها في بنية العلم ومنطقه. جـ) ومن الأفكار التي تناولتها بالنظر العقلي لأحيط نفسي بمعناها، فحاولت أن أتبين الفارق الذي يفصل بين من هو مثقف فقط ومن يكون مثقفًا ثوريًّا، فكان مما كتبته في ذلك المجال ما يأتي: لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة فيها من الخصوبة والثراء ما يوحي للفكر المتأمل بمعان كثيرة غزيرة، من بينها معنًى قد يكون هو الفصل الحاسم عند تحديدنا للمثقف الثوري مَنْ ذا يكون؟ فمتى يكون المثقف مثقفًا وكفى؟ ومتى يكون مثقفًا وثوريًّا معًا؟ أما أحد القولين فقد صادفته خلال قراءتي لديون ابن عربي «ترجمان الأشواق» الذي تولَّى فيه ابن عربي بنفسه شرح شعره ليبين مراميه في الرموز التي لجأ إلى استخدامها في ذلك الشعر، وقد أورد في غضون هذا الشرح حديثًا للنبي عليه السلام، » مشيرًا بذلك — فيما يقول ابن عربي — إلى رجوعه من حالة الرؤية — رؤية الحق — إلى دنيا الناس؛ ليخاطب فيهم مَنْ ضل ليهديه سواء السبيل؛ أي إن رؤية الحق لم تكن عنده هي كل الطريق، وأما القول الثاني فقد وجدته عند محمد إقبال، ثم رجع إلى الأرض، قسمًا بربي لو بلغت هذا المقام لما عدت أبدًا. » وهي عبارة قالها — فيما يحكي محمد إقبال — وليٌّ مسلم عظيم هو عبد القدوس الجنجوهي، وحتى إذا هو عاد — كما لا بد له أن يعود — جاءت عودته غير ذات نفع كبير للناس؛ لأنه سينحصر في ذات نفسه، ولا عليه بعد ذلك أن تتغير أوضاع الحياة من حوله أو لا تتغير، لأن مشاهدة الحق يتلوها رجوع إلى الناس في دنياهم، لا ليقف النبي بما يجري حوله موقفًا سلبيًّا غير مكترث، ويصعد به نحو مثال الكمال، كما ارتسم في إدراكه الواعي لحظة الشهود. إن إدراك الحق عند الصوفي هو غاية يوقف عندها، وأما عند النبي فهو بمثابة يقظة تصحو بها كوامن نفسه، واللذان يلتقيان عند نقطة واحدة مشتركة، ورجل يرى الحق فلا يستريح له جنب حتى يغير الحياة وفق ما رأى،