[وكان بالقرب من البئر بقية من جدار من الصخر قديم. فلما عدت من عملي في مساء اليوم التالي رأيت عن بعد الأمير الصغير جالسًا على أعلى الجدار، ألا تذكرين، لم يكن لقاؤنا هنا بل قريبا من هنا. هو يوم ملتقانا غير أن هذا المكان ليس هو المكان الذي التقينا فيه. وأنا لا أرى أحدًا ولا أسمع صوتا، غير أن الأمير الصغير أجاب ثانية بالتأكيد. شيء. كنت على بعد عشرين مترا من الجدار. توقفت عندئذ، ولكنني ما زلت لا أفهم شيئًا. التفت إلى أسفل الجدار، فقفزت ذعرًا في الهواء، فإني قد رأيت عنده حية صفراء تقضي على الملسوع في لحظة، وهي منتصبة في وجه ، لكنها الأمير الصغير، فأسرعت إليها وقد انتشلت المسدس من جيبي ! أحست بي بسبب الضجيج الذي أحدثته، فانسلت بهدوء إلى الرمل كاندفاع الماء في نافورة خامدة، وانسابت على مهل بين الحجارة ولها صوت كصوت الحلي المعدنية. وصلت إلى الجدار في الوقت المناسب لأمسك بالأمير الصغير بين ما هذا الهراء؟ إنك تتحدث مع الحيات الآن! ونزعت عنه منديله الذهبي اللون الذي ما كان يفارق عنقه وبللت صدغيه بالماء وسقيته، شيئا . نظر إلي بوقار وأحاط عنقي بذراعيه، فأحسست بقلبه يخفق كما يخفق قلب عصفور يموت أسقطته طلقة بندقية. الطائرة بعد أن قطعت كل أمل من إصلاحها. فلم يجب عن سؤالي، لكنه أضاف: وأنا أيضًا أعود اليوم إلى موطني. ثم قال بصوت حزين: إنها بعيدة جدا. إنها أصعب بكثير . أحسست جيدًا بأن شيئًا غير عادي يحدث، فضممته بين ذراعي ضما شديدًا كما تضم الأم طفلها، وكان يخيل إلي أني بالرغم من ضمي له ينفلت مني وينحدر مباشرة في هوة فلا أستطيع إمساكه. وكان نظره عميقا شاردا في البعيد. وعندي صندوق الخروف، وعندي ثم ابتسم بكآبة. انتظرت طويلا، ثم شعرت بأنه ينتعش شيئًا فشيئًا. قلت: أراك خائفا يا عزيزي. كان خائفًا بالتأكيد لكنه ضحك بلطف وقال: سأحس بالخوف أكثر هذا المساء. أحسست من جديد بأني قد تجمدت من شعور بوقوع ما لا يمكن إصلاحه، الأمير ثانية. كان بالنسبة لي كخرير ماء النبع في الصحراء. قلت له: أيها الزميل الصغير أريد أن أسمع ضحكتك. لكنه قال : في هذه الليلة ينقضي عام على هبوطي في هذا الكوكب وتكون نجمتي فوق المكان الذي هبطت فيه في السنة الماضية. فقلت له: أيها الزميل الصغير، من المؤكد أن قصة الحية وقصة الموعد الذي ضربته لها وقصة النجمة حلما مزعجا حلمته. لكنه لم يجب بل قال: ما هو مهم لا يمكن رؤيته. قلت: بالتأكيد. قال: الحال في هذا كحال الزهرة، إن أحببت زهرة في نجمة فمن الرائع جدا أن تتأمل السماء في الليل فترى جميع النجوم مزهرة. قلت: بالتأكيد. قال: وحال الزهرة كحال الماء، فإن الماء الذي سقيتني كان كالموسيقا مع نغم البكرة ونغم الحبل. هل تذكر ؟ كم كان لذيذاً! قلت بالتأكيد. قال: إنك ستنظر في الليل إلى النجوم ولا ترى موطني. إن الأفضل وأنت لا تراه أن تقول في نفسك: هو نجمة من هذه النجوم، شربت الماء. ومنهم من يكون كصاحبي رجل الأعمال فيحسب النجوم ذهبا. وهذه النجوم على اختلافها تظل صامتة. نجوما لم تكن لأحد من الناس. قال: فإذا نظرت في الليل إلى السماء حيث أكون في إحدى فيخيل إليك أن سائر النجوم تضحك، وهكذا يكون لك نجوم تحسن الضحك. وضحك مرة أخرى ثم قال: الضحك، فما رأيك في هذه الحيلة الجميلة التي خدعتك بها . وضحك مرة أخرى. الجلاجل الصغيرة المتقنة للضحك. وضحك مرة أخرى. وقال: هذه الليلة. أنت تعرف. فالأفضل أن لا تأتي، فأنا أخشى أن تلسعك، قلت: لن أتركك. وكأن شيئا قد طمأنه فقال: افترض أن الحية إذا لسعت أفرغت ولا تستبقي منه للسعة الثانية. في تلك الليلة لم أره عندما ذهب فقد انسل خفية ودون صوت، فما أن رآني آه ها أنت. ثم أخذ بيدي لكنه سرعان ما بدا عليه الغضب ثانية: قد أخطأت بالمجيء، سأبدو مينا وما أنا بميت حقيقة. وليس في طاقتي نقل هذا الجسم معي فإنه ثقيل جدا. وبقيت صامتا. وهل تثير القشرة البالية حزنا ! وبقيت صامتا. بدأ يفقد شجاعته، لكنه بذل جهدًا آخر فقال: أتعرف سيكون الأمر لطيفا، أنا سأنظر إلى النجوم وستكون النجوم عندي آبارًا لها بكرات ركبها الصدأ تجود علي بمائها فأشرب. وبقيت صامتا. قال الأمير الصغير : سيكون هذا مسليا. هل ترى؟ سيكون لك خمسمئة مليون جرس صغير، وسيكون لي خمسمئة مليون نافورة ماء. وجلس لأنه أحس بالخوف. ثم أضاف: أنت تعرف. أنا مسؤول عنها، إنها ضعيفة جدا، إنها ساذجة، لها أربع شوكات دقيقة لحمايتها من العالم. لكنه تردد قليلا ثم نهض وخطا خطوة، أما أنا فلم أستطع الحراك. لم ألمح شيئا سوى وميض مر بالقرب من كاحله، فوقف لحظة ساكنا في مكانه لا يتحرك ولا يصيح،