ولا يكن نظرك في تاريخ عظماء الرجال نظراً يبعث في قلبك الرهبة والهيبة، فتتضاءل وتتصاغر كما يفعل الجبان المستطار حينما يسمع قصة من قصص الحروب، وحذار أن يملك اليأس بسلم أصعد عليها إلى السماء حتى أصل إلى قبة الفلك فأجالس فيها عظماء الرجال؟ يا طالب العلم، وعقل وأداة غير عقلك وأداتك، وأمل أوسع من رقعة الأرض وأرحب من صدر الحليم، أو بالسماجة، ودعهم في غيهم يعمهون. أما علو الهمة فقد عرفته، وعلم مفهوم. أما العلم المحفوظ من غير فهم ولا وعي فيستوي صاحبه فيه مع الكتاب المرقوم، نطق الحافظ بتفسير كلماته. لأنه قوي الذاكرة، وقوة الذاكرة قدر مشترك بين الذكيّ والغبي والنابه والأبله؛ لأنَّ الحافظة ملكة مستقلة بنفسها عن بقية الملكات، وإنك لترى الشيخ الفاني الذي لا يُميز بين الطفولة والهرم، والذي يبكي على الحلوى بكاء الطفل عليها ، ويرتعد فرقا إذا سمع ابنته تخيف طفلها بأسماء الشياطين، لو دونته لكان تاريخا صحيحًا ضخمًا مملوءًا بالغرائب والنوادر. ذلك هو السر العظيم في كثرة المتعلمين وقلة العاملين؛ ووصل من قلبه إلى سويدائه، رضي أم أبى. لولا أن العلم الديني اليوم عند كثير من روّاده علم محفوظ دون فهم ووعي لما وجدت في العلماء من يجمع بين اعتقاد الوحدانية والتردد على أبواب الأحياء والأموات في مزاراتهم أو في مقابرهم يسألهم المعونة والمساعدة على قضاء الله وقدره، ولا وجدت بين الذين يحفظون قوله تعالى: ( قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ) من يسند النفع والضرر إلى كل من سال لعابه، وتمزق إهابه ولا وجدت في الناس كثيرًا من ضعفاء العزيمة الذين يحفظون ما ورد على ألسنة النبوة والحكمة من مدح الفضائل وذم الرذائل، ثم لا تجد فرقًا بينهم وبين العامة في ارتكاب المنكرات والنفور من الصالحات. أو ترنّم بمدحه شاعر، فإذا سمعت ذكر العلم فاعلم أنه العلم المفهوم لا المحفوظ من غير فهم ، بل من يفهم ما يحفظ، وآية فهم المعلوم تأثر العالم به، وظهوره في حركاته وسكناته، ولا تثق بالحافظ فيما ينقل إليك، فربما مر بالمعلوم محرّفا ، فأخذه على عِلاته ، فكأن ذاكرته حانوت عطار اختلطت فيها الأدوية الشافية بالعقاقير السامة. أما العلم المفهوم فهو الواسطة التي إذا جمع المتعلم بينها وبين علو الهمة طار إلى المجد بجناحين، أو اخترع طريقة، ولن يسلس له ذلك إلا إذا كان علمه مفهومًا لا محفوظا ، وسوق الآمال وراء الأموال، وجمال الهندام،