تُعْرَفُ الْحَضَارَةُ بِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ كُلِّ جُهْدٍ يَقُومُ بِهِ الْإِنْسَانُ؛ والارتقاء بِمُسْتَواهُ الْمَعِيشِي سَوَاءٌ كَانَ الْمَجْهُودُ الَّذِي يَبْذُلُهُ لِأَجْلِ تَحْقِيقِ ثَمَرَةٍ تِلْكَ الْحَصَارَةِ مادياً أَوْ مَعْنَوياً. عَلَى أَرْبَعَةِ شروط: هي: الزَّمانُ أو التاريخ، وَالْعَقْلُ أَوِ الْإِنْسَانُ الْمُنْتِجُ لِلْفِعْلِ الْحَضَارِي، فَأَمَّا شَرْطُ الزَّمَانِ فَالْمَعْرُوفُ أَنَّ مَفْهُومَ الْحَضَارَةِ مُرْتَبِطُ أَشَدَّ ما يكون الارتباط بالتاريخ؛ لِأَنَّ التاريخ وَالثَّمَرَاتِ الْحَضَارِيَّةَ الَّتِي سَيَتِمُ إنتاجها تَحْتاجُ إلى زمان؛ لكي تنمو وَتُزْهِرَ وَتُؤْتِي أُكْلَهَا : أَي إِنَّهَا جُزْءٌ مِنَ التاريخ، فَكَمَا أَنَّ ثَمَرَاتِ الْأَشْجَارِ لا تَنصَحُ إِلَّا بِفِعْلِ الزَّمَانِ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَزْرَعَها وَنَقَومَ بِحَصْدِهَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ الشَّأْنُ بِالنِّسْبَةِ إلى ثمار الْحَضَارَةِ الَّتِي لا تَظْهَرُ آثَارُهَا الْإِيجَابِيَّةُ إِلَّا بِمُرُورٍوَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْحَضَارَةً وَالتَّارِيخ مُرْتَبِطَانِ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ أَشَدَّ الارتباط، وَلا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَتَحَدَّثَ عَنِ الْحَضَارَةِ إلا إذا كانَ مُدْرِكاً مفهوم التاريخ والزمان إدراكاً معقولاً. والجدير بالذكْرِ أَنَّ الْقِيمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِأَيِّ ثَمَرَةٍأهرام الماياحضارية، لا تَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذا جَرَّبها الْإِنْسانُ في حَياتِهِ مَرَّهُ بَعْدَ أُخْرَى، وَعَرَفَ فَائِدَتَها. أَمَّا الشَّرْطُ الثاني في قِيامِ الْحَصَارَةِ، ذَلِكَ بِأَنَّ الإنسانَ لَمْ يَضَعِ الْخُطُوَة الأولى في بناء الصَّرْحِ الْحَصَارِي إِلَّا لَمَّا تَتَبَّهَ إِلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ عَقْلَا؛ يُمَكِّنُهُ من التفكير الجاد. ثُمَّ يَأْتِي الشَّرْطُ الثَّالِثُ في بناء الحضارَةِ، وَهُوَ الْعَوامِلُ الطَّبِيعِيَّةُ أَوِ الْبَينَةُ الْجُغْرَافِيَّةُ إِذْ لا شكَ فِي أَنَّ لِلْبَيئَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ الَّتِي يَنْشَأُ فِيها شَعْبٌ مِنَ الشُّعوب الْأَثَرَ الْكَبِيرَ وَالْفَعَالَ فِي الشَّكُلِ الحضاري الَّذِي سَيَعْمَلُ الْإِنْسانُ على إنتاجه: فَالْإِنْسانُ يَأْخُذُ المادة الَّتِي سَيُكُونُ مِنْهَا حَضَارَتَهُ مِمَّا أَوْ أَنَّهَا سَتَكُونُ سَبَياًفي تشبيط همَّتِهِ وَحِرْمَانِهِ مِنْ كُلِّ تَطَلُعَ إِلَى الْأَحْسَنِ. أَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ فِي قِيامِ الْحَضَارَة؛ فَيَكُمُنُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي تُعْتَبَرُ لِسَانَ تِلْكَ الْحَضَارَةِ، وَتُرْجُمَانَهَا الَّذِي يَنْقُلُها مِنْ مَكان إلى آخر. كان لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْحَضَارَةِ لِسانٌ فَصيحُ، سَهْلٌمَيْسُورُ الْفَهْمِ لِكَيْ تَبْلُغَ أَقْصَى نُقْطَةٍ فِي الْأَرْضِ، وَتَسودَ عَلى غَيْرِهَا مِنَ الْحَضَارَاتِ الْأُخْرَى.