1. نقد الحداثة الغربية أم نقد التقليد العربي؟إذا تجاوزنا التحديدات اللغوية واالصطالحية الكثيرة للكلمة والتي تصب في كون الحداثة نمط حضاري للحياة؛ نمط تفكير أوال كما يؤكد جان بودريار، ونمط سلوك في الواقع اليومي، ، حركةكاسحةمكانياوذات قدرة خارقة "أخالق شرعية للتغيير، متخلية عن القديم. على االنتشار أفقيا وعموديا، ومسلسل مفتوح على جميع االحتماالت وممتد إلى املستقبل الالمتعين، يحدد ما يريد، يمحو السحر عن العالم ويمارس سحرا جديدا، ،فإن طه عبد الرحمن يرى بأن التهويل من هذا املفهوم وتصنيمهأوتوثينه ال يفيد كوني مشترك بين جميع األمم )معاني الحداثة( وبين تطبيقاته النسبية واملتعددة )أواني الحداثة( التي تختلف باختالف والتاريخية، وبين الواقعالتنزيلياملتعددواملتجدد، أي أن االستواءفيالروح ال يفيد االستواءفيالتطبيق. بناء على ما سبق انصب النقد الفلسفي للحداثة عند طه عبد الرحمن على نقد التقليد العربي لنمط الحضارة الغربية، والتحذير مما طال هذه األخيرة من آفات منهجية ومعرفية وأخالقية، موضوعات الهوية والعقيدة والعقل وغيرها، الكتابات املستشكلة ملوضوعي الحداثة وما بعد الحداثة. وهو إسهام نقدي على وجه الخصوص، خبير بقضايا الفلسفة الغربية الحديثة واملعاصرة، من املسلمات الفكرية التي انطلق منها طه عبد الرحمن في نقده لواقعالحداثةالغربيةوبالتالي نقد دعوى االنعتاق عبرتقليدها أ. مسلمة الهوية األخالقية لإلنسان: ومقتضاها أنه "ال إنسان بغير أخالق"، فإذا سقطت أخالقه سقطت إنسانيته، الناس بتراتب أخالقهم، على غرار مذهب ابن خلدون القائل: "إذا فسد النسان في قدرته على أخالقه ودينه، إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة" الحداثة الغربية في تطبيقها الغربي التي سلخت النسان من هويته األخالقية وألبسته هوية عقالنية مجردة. ب. مسلمة املرجعية الدينية لألخالق: ومقتضاها أنه "ال أخالق بغير دين" يؤسسها مباشرة بالوحي أو بطريقة غير مباشرة عبر اقتباسها منه والقياس عليه دون الحالة إليه، قص ي من اهتمامها الوحي واأللوهية والروح والغيب واملطلق. التصورات لتي تربط األخالق بالعقل )إيمانويل كانط(، أو تقدم األخالق على الدين )دافيد هيوم(، لإلنسان بوصفه "الكائن الحي املتدين" سواء اعترف بتدينه أو ادعى االنسالخ عنه متسترا عما يوصله به. وبناء على ما سبق يجدر بكل أمةأن تصنع حداثتها من داخلهاوال تستوردها من خارجها، التطبيقات ال ينتج وضعا يضاهيوضعاآلخرين، يقول طه: "ال حداثةإال بصدورهامن الداخل، ال بورودهامن الخارج، عو إال معوجود البداع، ال معوجوداالتباع، سة الغربيةالحديثة فهم يجهلون -في نظر طه- خصوصيةالتطبيق الغربي في مقابل عامليةاألخالق السالميةذات األبعاد املؤ أي هو تخيير بين تقليد وتقليد. ناهيك واملتغير، عن كونهاستجابةملا يريده الغرب ويسعى جاهدا إلى ترسيخهوهو تذويب الثقافات األخرى ودمجها في الثقافةاملعياريةالغالبة، نصب نفسه قاضيا على جميع الحضارات األخرى معتبرا أن املسار الذي يقول روجيه غارودي بهذا الصدد: "يطمع الغرب بأن ي اتبعه هو مثالي وهو الوحيد املمكن، وبأن يقرر، انطالقا من هذه النظرة بأن شعبا ما أو حضارة أو علما أو تقنية هي "بدائية"، نستنتج أن هذه الحداثة املتصلة بالدين أو "الديانية" تتأسس على األخالق السالمية بوصفها أخالق عاملية وحركية وعميقة سة على امليثاق اللهي األول الذي "أخذه الشارع األسمى من العقالء وعقولهم" وهو الوارد في القرآن الكريم "وإذ أخذ رب والسطحية التي تولدت بفعل سيطرة األنموذج الغربي للحضارة وما يتصل به من تفوق تقني وعسكري وثقافي يتم توظيفه في 10 املتمثلة في التقليد. وتتضاعف الفتنة إذا انضافت إلى ما سبق الغراء حتى يتحقق االفتتان به، آفة املحاصرة الذاتية والتي تتمثل في وقوع الفكر السالمي املعاصر في آفة "التسييس" املنسلخ من األخالق بدل "التأنيس" نخلص هنا إلى أن طه عبد الرحمن ينتقد الحداثة الغربية في شكلها ال في روحها، سعهم من أجل ذلك، مثلما ال يفوته أنه ال يمكن خلق حداثة خاصة بنا، ولو بذل الناس و نستفيد فيها من غيرنا، كما يؤكد ذلك العروي أيضا بقوله"إن خلق ثقافةمناوإليناوحدنا، طبعامع حفظ الفارق بين العروي الذي يدعو إلى القطيعةالتامةمعالتراث العربي السالمي وتقليد الغرب، أن عالقتنا بالتراث ال تنفك حتى ولو حاولنا القطع مع تراثنا فإننا سنرتمي في تراث غيرنا. ناهيك أن املاض ي على ضربين؛ ميت وماض ي حي، األول هو ماض ي الوقائع والثاني هو ماض ي القيم، والعبرة في القيم عموما بإنتاجها ال بقدمها أو حدوثها. وللدكتور سعيد خالد الحسن تنبيهدقيق في املوضوع في إطارمفهوم املدركات الجماعيةلألمةوالتي تبلورت عبرتاريخها الطويل، أحمد الفراك سؤال الحداإذيقول: "املقصودبتجديد املدركات ليس العمل على تجاوزها أوإحداث قطيعةمعها أو محاولة تغييرها، 2. الحداثةبين وحدةالروح وتعدديةالصورة: عمل طه عبد الرحمن فيكتابه"روح الحداثة" علىإعداد جواب األمم؟ هل توجد حداثةدون التعلق باملاض ي الذي يحيىباستمرار؟أليستالحداثةاألوربيةرجوعاوتجذرا فياملاض يمن أجل في إطار الجواب عن هذا السؤال يرى طه عبد الرحمن بعد نقده لنمطي املقلدةمن املتقدمين واملتأخرين أن "الحداثةليست هي وهي "ليست سوى ظاهرة تاريخية عارضة، تقليد الغير في قوله وفعله، وإنما التيان بما يضاهي ما عند الغير، . حدثت الحداثة عبرمراحل زمنيةوأحداث فعليةومنطق والظواهر كما تأتي تفنى، للتاريخ ال يحترم إرادة النسان، لتظهر غيرها بعدها وتخضع لنفس الصيرورة15، وهكذا دواليك، املعاصرة قد ظهرت متصلة بالعقالنية والليبرالية، فإنه بإمكان الفكر السالمي العربي أن يصنع جوابه وينتج حداثته بإبداعه، سقطون مفاهيمهم التراثية بدءا من إبداع مفاهيمه وتجديد آليات تفكيره، قاطعا مع التقليد بنوعيه: تقليد املتقدمين الذين ي على مفاهيم الغير)الغرب( و"يتبعون ما أبدعه السلف من غير تحصيل األسباب التي جعلتهم يبدعون ما أبدعوه"16، سقطون مفاهيم غيرهم )الغرب( على مفاهيمهم، ه الغرب من غير تحصيل األسباب التي املتأخرين الذين ي إن الحداثة التي يبشر بها الدكتور طه هي حداثة داخلية بروح أخالقية بديلة وتجليات إيمانية جديدة تعيد االعتبار للمعنى همعنوي بديلة عن الحداثةذات التوجه والغايةمن وجود النسان وسعيهاملتعدد في مجاالت ال عد املادي التي يعرفها املجتمع الغربي؛ فالرأي الذي نرتضيه هو أن الحداثة عبارة عن إمكانات متعددة، ، مع العلم أن حضارة هذه الحداثة هي "حضارة ناقصة عقال وظاملة قوال ومتأزمة معرفة ومتسلطة والدليل على إمكان تعدد الشكل مع الحفاظ على وحدة الروح هو تعدد التطبيقات في الغرب نفسه، التجارب رغم ما يوقفنا من قواسم مشتركة للحضارة في مجموعها، أي أن "املشهد الحداثي الغربي ليس بالتجانس املظنون، فيه من التنوع ما يجوز معه الكالم عن حداثات كثيرة، طري )فرنسية، أملانية. )اقتصادية، سياسية. ( رغم االشتراك في التاريخ واملصير. في الشكل مع وحدة التاريخ واملصير ال يمنع –ومن باب أولى- من االختالف في التطبيق مع االختالف في التاريخ واملصير. هناك حداثة غير إسالمية واقعة أفال يمكن بناء حداثة إسالمية متوقعة؟ على خالفبعض روادالفكر العربي املعاصر )أركون، العروي، الجابري. وترديد خطاب الحداثة وتعريب نصوص مفكري الحداثة والزعم بأن النموذج الغربي الحديث يتصف بالحتمية والكونية والكمال ال يتقدم باملجتمع العربي والسالمي خطوة في طريق الحداثة املطلوبة املرغوبة، التسلط والتبعيةواالستعباد. لذلك ينبغي التمييزفي الحداثةبين الروح والصورة الواقعية، واتي أصول مجالنا التداولي الذي هو "جملة املبادئ والقواعد العامة التي تضبط العقيدة واللغة واملعرفة والتي يشترك في . فما الفرق إذن بين الروح والتطبيق؟ التسليم والعمل بها ك ل املنتسبين إلى املجتمع"22 وهي روح عاملية وإنسانية ليست "من صنع املجتمع الغربي الخاص، صنعاملجتمعالنساني فيمختلف أطواره، إذأن أسبابها تمتد بعيدا في التاريخ النساني الطويل؛ كنتها أن تتحقق بوجوه أخرى في مجتمعات أخرى تلوح في آفاق مستقبل النسانية" فهذه الدعوى إذن تؤكد استواء يبقى في م ل النسانيةفياالنتساب إلىالتاريخ وبالتالي إلىروح الحداثةباعتبارهامِ لكا للبشريةالتي تستفيد من تاريخها لتشييد عمرانها، الرخاء املشتركبين األمم لطالبيهبشروطهوضوابطه. ب. "واقع الحداثة": وهو النجاز املحلي والخاص الذي تصنعه كل أمة في إطار مقومات مجالها التداولي24 وتجويده. أما التطبيق الغربي وهو واحد من التطبيقات الواقعة في زماننا، بشريا وتطبيقا نسبيا لروح يمكن أن تتعدد تطبيقاتها وتتنوع أشكالها. وليست حداثة واحدة كما يتوهم البعض. أليس من الحق العربي في االختالف الفكري تحديث تفكيرهم ونمط حياتهم؟ ثم أليس من الحق السالمي القدار على إبداع حداثة إسال مية تخرج األمة من سجن التقليد واالستتباع إلى فضاء التجديد والبداع؟ رغم نقده للحداثة فطه ال يدعو إلى االنكفاء على الذات واالرتداد إلى املاض ي وال االنغالق عن الغير ونكران الخير، الواقع العربي والسالمي الذي نعيشه اليوم ال هو أبدع حداثته الخاصة وال هو نقل الحداثة الغربية في شكلها الحاضر، طه: "واقعنا الحالي ليس تطبيقا لروح الحداثة، وإنما يدعو إلى االنتقال من تقليد حداثة إلى إنتاج حداثة، تطبيق لتطبيق آخر لروح الحداثة، وال يمكن أن نسمي ذلك واقعا حداثيا، أو حداثة، مادام ال قِبل لهبإخراجنامن حالةالتخلفالتينعيشفيهاوال نكادنبرحها إال من حيثنرتد إليها أكثر. يدعو طه إلى استصناع حداثة تتخلص من تقليد "إبداع اآلخرين" وتسهم بإبداعها وتميزها في "إنشاء كونية إيمانية تعارفية لك التعاوني األ متواصلة اعتبر فيه بعض املفكرين العرب أن "التقليد وحده يساعد على الخالص من املوت التاريخي". وسؤال األخالق كسؤال وجواب يستدعي لفت االنتباه إلى ضرورة تجسير "التواصل بين خصوصية األمة والواقع الكوني"26، يخصها لروح الحداثة يكون إضافة نوعية من حيث املرجعية واملقصدية أنه بإمكان األمة السالمية العربية أن تظفر بتطبيقٍ واملعنوية ما يجعلها "حداثة عاملية" تناسب تطلعات النسان الحديث واتساع آفاقه. هذه الحداثةاملطلوبة ال تحصل عبر منهج القطيعة مع التراث، يقول: "االنطالق من نقطة الحداثة وليس من نقطة املاض ي أو التراث، بطريقة متسامحة ومنفتحة ومرنة، وأن نقبل شيئا أساسيا يعتبر من منجزات الحداثة العقلية أال وهو نسبية الحقيقة، إذن أن أركون ال يرى فيالدين والتراثأوما يسميهبـ"الحدث القرآني" و"الحدث السالمي"28 إمكانية للنهوض والتحديث، يقر بأن لحظة ظهور السالم كانت لحظة حداثة! "ألنه كان محطة تغيير وتحريك لعجلةالتاريخ، م املعارف واملواقف الثقافية املكررة، وبالتالي ال التاريخ، أما اليوم فقد أصبح السالم نوعا من التراث ومن التقليد، يمكن أليشخصعاقل أن يقول بأن السالم يمثل حاليا الحداثة"29 و على عكس ذلك يرى طه عبد الرحمن "أن هذا القطع من باب املحال" مادامت الحداثة الغربية نفسها ال تدعي االنفصال عن املاض ي بقدر ما تدعي الرجوع إليه لتأسيس ذاتها، وتوفر له القيمة واملقصد والغاية. وإنما القطع املرجو هو القطع مع التقليد الذي يمنع البداع، والجمود الذي يمنع االجتهاد. داد والعطاء من الدين والتاريخ واستثمار عطاءاتهما املتعددة في واستخراج كنوز التراث مادام لكل زمان قدراته على االستم إصالح أحوال النسان وتشييد أركان العمران، مما يحقق أسباب الصالح في الدنيا والفالح في اآلخرة. ومن وجوه العطاء والبداعستحداث حداثة أو حداثات مقرونة تطبيقاتها السالمية بثالثة مبادئ مقترحة، كافيةلجعلهاراشدةوناقدةوشاملة، وهي:مبدأ الرشد ومبدأ النقد ومبدأ الشمول. أ. التطبيق اإلسالمي ملبدأ الرشد الحداثي: والرشد هو حصول االستقالل عن األوصياءوتجاوز حالةالقصور الفكري بالتعبير ترشيد أول لـ"الترجمةالحداثية" التي أخلت بضوابط الترجمةالتأصيليةاالستكشافيةالتي الكانطي. ويقصد فيه إلى ترشيدين؛ توفر للمترجم استقالال مسؤوال عن النصامل البداع، وترشيد ثاني لـ"القراءة الحداثية للقرآن" التي ما انفكتعن الوقوع فيآفات "االنتقاداملنقول" للمقدس والنص والغيب، وتوجيهها إلى الرسوخ في األخالق وتكريم النسان وتوسيع العقل. ب. التطبيق اإلسالمي ملبدأ النقد الحداثي:وينطلق هذا التطبيق من التعقيل املزدوج لنظامين من أنظمة الحداثة الغربية وهما: "نظام العوملة" الذي يريد أن يفرض قالبا صلبا ومطلقا على األمم لتخنع وتتبع، لق الحياء جملةوأنتج واقعا بئيسا شرد فيهالنسان عن ربه )rationalisation( وعن عقله وعن أسرته، وحصل له االنفصال في حياتهبين ما ال يقبل االنفصال من جهةأخرى. الحداثة هو االنتقال من حال االعتقادإلى حالة النتقاد