المبحث الأول: حقيقة البحث؛ قال ابن فارس¹: «الباء والحاء والثاء» أصل واحد يدل على إثارة الشيء. فهو مصدر «علم» بمعنى عرف². فقد اختار الآمدي أنه «عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها التمييز بين حقائق المعاني الكلية حصولاً لا يتطرق إليه احتمال نقيضه»³. هو دراسة مبنية على تقصٍّ وتتبع لموضوع معين وفق منهج خاص لتحقيق هدف معين: من إضافة جديد؛ والرسالة لا تختلف في تعريفها الاصطلاحي عن البحث. وبعض الباحثين يقول: إنها عبارة عن تقرير وافٍ يقدمه الباحث عن موضوع تعهَّده، ذاكراً فيه جميع المراحل التي مرت بها الدراسة لهذا الموضوع، معتمداً في ذلك على الأدلة والبراهين. وهي تدل على المشاركة بين اثنين فأكثر. والنظر يرجع إلى معنى واحد، فالمناظرة: ترديد الكلام بين شخصين فأكثر يريد كل واحد صحة قوله وإبطال قول خصمه مع رغبة كل واحد في إصابة الحق وإظهاره. وبهذا يتضح أن البحث أو الرسالة يختلفان عن المناظرة: • البحث أو الرسالة: يدخل فيهما الباحث دون أن يكون له رأي معين يريد نصرته، وإنما يريد نصرة ما تضافرت الأدلة على نصرته بعد البحث. • الباحث: يورد جميع الأدلة لجميع الآراء الموجودة في المسألة. دون فرق لكونه دليلاً لأي رأي من الآراء. • أما المناظر: فإنما يناقش أدلة آراء مناظره، • والبحث: يكون من عمل واحد، وقد يكون من عمل اثنين فأكثر لكن على سبيل التوافق في الرأي. • أما المناظرة: فلا تكون إلا بين اثنين فأكثر، على سبيل المخالفة والمنازعة. ومع اقتناعنا بأن ما قدمناه من تعريف للبحث هو أسلم ما قد يعرف به؛ لكونه جامعاً لحقيقة البحث، صالحاً لأي موضوع في أي ميدان من ميادين المعرفة. مع ذلك فإننا نورد تعريفات أخرى للبحث، • قول بعضهم: «البحث هو العمل الذي يتم إنجازه لحل أو محاولة حل مشكلة قائمة ذات حقيقة مادية»⁶. • وقول بعضهم: البحث «هو الفحص والتقصي المنظم لمادة أي موضوع من أجل إضافة المعلومات الناتجة إلى المعرفة الإنسانية أو المعرفة الشخصية». • ويرى بعض المربين أن البحث عملية تقصّي الحقائق ومعاينتها وتطبيقاتها. • وعُرّف بعضهم البحث الأدبي بأنه «محاولة لاكتشاف المعرفة والتنقيب عنها، ومرجع اختلاف هؤلاء العلماء في تعريف البحث العلمي هو اختلاف ميادينه التي نظر كل واحد منهم إلى واحد منها أو أكثر فعرفه على ضوء هذه النظرة، دون أن يترك النظرة الجزئية فيعرفه تعريفاً ينطبق على كل ميدان من ميادين البحث كما عملنا. بل إن بعضهم ذهب يخصّص للبحث الديني تعريفاً، • فقال: «البحث الديني: هو كل موضوع يحاول بيان الأحكام التي تتصل بجانب من جوانب الحياة بياناً واضحاً، أو يسعى إلى حل مشكلة في ضوء الدين، • وقال: «البحث الإسلامي: هو كل دراسة موضوعية تبين الأحكام التي تتصل بجانب من جوانب الحياة بياناً واضحاً، أو تعالج مشكلة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، تستند إلى فهم سديد، وكل واحد منها يمثل أمراً مهماً في ظهوره بالمظهر الذي ينبغي أن يكون عليه. وكلما كان الموضوع جديداً أو فيه جوانب جديدة وكان يسهم في معالجة موضوعات علمية أو اجتماعية مهمة كان إقبال الدارسين عليه كثيراً وكان لأنظار العلماء جاذباً. ومن عوامل نجاح الموضوع أن يجمع له الباحث مادة علمية وافية تشمل جميع جوانبه وتعالج جميع دقائقه. ثم يعمل فكره فيها فهماً ونقداً وتهذيباً وإضافة، وأن من وراء ذلك رغبة صادقة في البحث، وقدرة على الولوج في ميدانه بنجاح. وفي استعمال المعلومات استعمالاً صحيحاً في أسلوب علمي سليم، التي تواضع العرف العلمي العام على السير عليها ابتداء بتنظيم المعلومات على صفحة العنوان وغير ذلك، من طريقة استعمال الهامش وتوثيق المعلومات وكتابة التعليقات وتدوين فهرس المصادر وغيره من الفهارس الأخرى، «والشكل والمنهج في الوقت الحاضر أصبحا مقياس جودة البحث العلمي. [إذ] غالباً ما يكون تنظيم معلومات الرسالة لافاً للانتباه، يتنوع البحث العلمي أنواعاً مختلفة باعتبارات مختلفة. الاعتبار الأول: نطاق البحث من حيث العموم والخصوص: يتنوع البحث بهذا الاعتبار إلى نوعين: • النوع الأول: أن يكون موضوع البحث عاماً، بمعنى أن يكون المقصود من الدراسة الوصول إلى معرفة عامة، ليست قاصرة على مكان أو زمان أو مجتمع معين. • النوع الثاني: أن يكون موضوع البحث خاصاً، بمعنى أن تكون نتائج البحث قاصرة على ما أجريت الدراسة فيه ولا تعم غيرها. يتنوع البحث بهذا الاعتبار إلى نوعين: • النوع الأول: البحث العلمي النظري: وهو البحث الذي يقصد به الوصول إلى الحقيقة العامة ومعرفتها، دون أن يكون هناك هدف من وراء ذلك إلى التطبيق العملي لها. والبحث العلمي النظري هو البحث العلمي بمفهومه العالمي المتفق عليه، والبحث العلمي النظري يتناول الموضوعات في العلوم الإنسانية: كالعلوم الدينية، • النوع الثاني: البحث العلمي التطبيقي: وهو البحث الذي يقصد به الوصول إلى الحقيقة والمعرفة لها مع الوصول إلى التطبيق العملي لها في المجتمع الذي أجري فيه هذا البحث. ولهذا فإن هذا النوع من البحوث يركّز على المشكلات في المجتمع التي يحقق حلها تقدماً علمياً وعملياً واقتصادياً وعسكرياً لهذا المجتمع، كما يركز على الابتكار في هذا المجال. ومع ذلك فإن البحث وإن تنوّع إلى هذين النوعين: النظري والتطبيقي، فإننا نقول بعدم الفصل التام بينهما، ولا خير في بحث لا يكون المقصود منه التطبيق العملي. فإنه لا يحقق فوائده المطلوبة ما لم يستند إلى البحث العلمي النظري. الاعتبار الثالث: الباعث إلى إعداد البحث: يتنوع البحث بهذا الاعتبار إلى أنواع: • النوع الأول: أن يكون الباعث إلى إعداده الرغبة الشخصية عند الباحث ليحقق هدفاً من الأهداف التي يتصدى الباحث لأجل تحقيق شيء منها، إلى غير ذلك مما هو المقصود من البحث العلمي. • النوع الثاني: أن يكون الباعث إلى إعداده طلب مؤسسة علمية له كجامعة أو مركز علمي أو مجلة متخصصة، • النوع الثالث: أن يكون الباعث إلى إعداده تدريب من يقوم بهذا البحث على إعداد البحوث تمهيداً لتكليفه ببحوث أوسع وأعمق. ويقصد منه تدريب الطالب على كيفية إعداد البحوث تمهيداً لإعداد بحوث الماجستير والدكتوراه. وحيث إن هذا النوع من البحوث يقصد به تدريب الطالب، فإن الجامعة تضع في خطتها الدراسية مقرر مناهج البحث الذي يبين طرق منهج البحث للطالب، وتطلب من الطالب في هذا البحث تطبيق المنهج على هذا البحث الذي كلفته به. • النوع الرابع: البحث للحصول على درجة الماجستير أن يكون الباعث إلى إعداده الحصول على درجة علمية، وهذا البحث يأتي بعد البحوث الصفية التي تلقاها الطالب أثناء دراسته في الجامعة، وبعد حصوله على درجة «البكالوريوس»، وبعد دراسته التمهيدية وبحوثه في مرحلة الدراسات العليا للماجستير. ويعتبر بحث «الماجستير» من البحوث التخصصية؛ كما يقصد منه تمكين الباحث من الحصول على تجارب أوسع نطاقاً وأكثر دقة في الإعداد والتحليل والاستنتاج، • النوع الخامس: البحث للحصول على درجة الدكتوراه أن يكون الباعث إلى إعداده الحصول على درجة علمية أعلى من درجة «الماجستير»، وبحث «الدكتوراه» يعتبر أعلى بحث تخصصي، كما يعتبر قمة البحوث العلمية؛ فإنه إلى جانب أنه يقصد منه الحصول على أعلى درجة علمية، ولهذا فإنه يفصح عن تكوين الشخصية العلمية للباحث، كما يستند إلى هذا البحث مرجعاً علمياً في ميدانه¹. النوع السادس: البحث للترقية العلمية أن يكون الباعث إلى إعداده الترقي به من مرتبة علمية إلى مرتبة علمية أعلى منها، ودليل نبوغها واعتمادها على نفسها. وتمتلئ الأسواق بالمواد الغذائية، ويوجد المجتهدون في كل ميدان من ميادين العلوم الإنسانية. وليس من شك في أن الباحث حينما يخوض غمار البحث العلمي إنما يخوض فيما خلفه العلماء والأدباء من جهود كثيرة نتيجة بحثهم الدائب ودراستهم المستمرة، لينتج من هذا كله جديداً يضيفه إلى العلم أو ابتكاراً ينعم به مجتمعه ويتقدم به. ومن هنا يتبين أن أهمية البحث العلمي تتلخص في كشف ثمرة جهود العلماء والأدباء السابقين؛ كما تتناول المنجزات التي يحققها البحث في ميدان العلوم التطبيقية. مهما اختلفت ميادين البحث فإن الغاية منه لا تخرج عن واحد من الأمور الآتية¹: وكلها يقصد بها تحقيق ما ذكرناه في أهمية البحث². فإنه يتم أيضاً بترتيب مختلط أو تفصيل مجمل بأسلوب جذاب واضح. إن مكانة البحث عند المسلمين تتجلى من خلال بيان أصالته عندهم واهتمامهم به. أما أصالة البحث عند المسلمين، كما حث على حب المعرفة والاستطلاع والبحث في أولى المعارف، وقد وضع العلماء المسلمون الأسلوب المنهجي في البحث والتأمل والاستدلال والاستقراء بالنسبة لجميع المعارف، وبالنسبة لجميع العلوم النظرية والتطبيقية. وبهذا يتبين أن المسلمين قد ارتقوا بالبحث العلمي، بالالتزام «بمنهج علمي ثابت معين، ينبني على قواعد عامة متعارف عليها، بالنسبة لجميع العلوم النظرية والتطبيقية على حد سواء»⁴. والمتتبع لكثير من هذا النتاج يجد قواعد البحث العلمي مطبقة عليه: الموضوعية، وترتيب الأفكار وصياغتها بأسلوب واضح، والخروج من كل ذلك بالنتائج التي قاد إليها البحث. وخير مثال لذلك بعض الموسوعات العلمية: وقد أشار بعض العلماء إلى اتباع المسلمين لقواعد البحث، وأبي عبد الله ابن جماعة في كتابه: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم. ومما تقدم يتبين لنا مكانة البحث عند المسلمين. الفرق بين البحث وبين غيره مما قد يشتبه به ذكرنا في المبحث الأول اصطلاحات العلماء في تعريف البحث، وبينا مرجع اختلافهم في تعريفه؛ وهو أن البحث «دراسة مبنيّة على تقَصٍّ وتتبّع لموضوع معيّن وفق منهج خاص، وإذا كان ما يزيد الموضوع وضوحاً هو إبراز الفرق بينه وبين غيره مما قد يشتبه به، فإننا نرى في هذا المبحث أن يكون عملنا هو القيام بذلك. المناظرة: تردد الكلام بين شخصين فأكثر، وبهذا فالبحث والمناظرة يفترقان فيما يأتي: 1. البحث يدخل فيه الباحث دون أن يكون له رأي معيّن يريد نصرته؛ بل إنما يريد نصرة ما تضافرت الأدلة على نصرته بعد البحث. 2. البحث يورد فيه الباحث جميع الأدلة لجميع الآراء الموجودة في المسألة. 3. البحث يتصدى فيه الباحث لمناقشة أي دليل يمكن أن ترد عليه مناقشة، دون فرق بين كونه دليلاً لأي رأي من الآراء. 4. البحث يكون من عمل واحد، لكن على سبيل التوافق في الرأي. أما المناظرة فلا تكون إلا بين اثنين فأكثر،