حقيقة الإبصارإن المتقدمين من أهل النظر قد أمعنوا البحث عن كيفية إحساس البصر)، وأعملوا فيه أفكارهم، وبذلوا فيه اجتهادهم، وانتهوا منه إلى الحد الذي وصل النظر إليه، ومع هذه الحال فآراؤهم في حقيقة الإبصار مختلفة، فالحيرة متوجهة واليقين متعذر والمطلوب غير موثوق بالوصول إليه، فالحقائق غامضة، والغايات خفية والشبهات كثيرة والأفهام كثرة والمقاييس مختلفة، والمقدمات ملتقطة من الحواس التي هي العدد غير مأمونة الغلط منها يدركالبصر صورة المبصرفأما أصحاب التعاليم فإنهم عنوا بهذا العلم أكثر من عناية غيرهم واستقصوا البحث عنه، فاهتموا بتفصيله وتقسيم أنواعه وميزوا المعاني المبصرة، وعللوا جزئياتها، وذكروا الأسباب في كل واحد منها، مع اختلاف بينهم على طول الزمان في أصول هذا المعنى، وتفرق آراء طوائف من أهل هذه الصناعة، إلا أنهم على اختلاف طبقاتهم، وتفرق أرائهم متفقون بالجملة على أن الإيصار إنما يكون بشعاع يخرج من البصر إلى المبصر، وبه يدرك البصر صورة المبصر، أطرافها مجتمعة عند مركز البصر، وأن كل شعاع يدرك به مبصر من المبصرات فشكل جملته شکل مخروط رأسه وقاعدته سطح المبصر.وهذان المعنيان - أعنى رأي أصحاب الطبيعة ورأي أصحاب التعاليم - متضادان متباعدان، إذا أخذا على ظاهرهما.ثم مع ذلك فأصحاب التعاليم مختلفون في هيأة هذا الشعاع،