لما توفي الخليفة الناصر لدين الله كان قد عهد إلى ابنه أبي نصر محمد هذا ولقبه بالظاهر، فتوفي في حياة أبيه سنة ثنتي عشرة، فحين توفي بويع بالخلافة، فلم يل الخلافة من بني العباس أسن منه، رد مظالم كثيرة وأسقط مكوسا كان قد أحدثها أبوه، حتى قيل: إنه لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز أعدل منه لو طالت مدته، ووضع عن أهل بلدة واحدة وهي يعقوبا سبعين ألف دينار كان أبوه قد زادها عليهم في الخراج، إن تفاوت هذا عن العام الماضي خمسة وثلاثون ألفا فأرسل ينكر عليه ويقول: هذا يترك وإن كان تفاوته ثلاثمائة ألف وخمسين ألفا، وأمر للقاضي أن كل من ثبت له حق بطريق شرعي يوصل إليه بلا مراجعة، وأقام في النظر على الأموال الجردة رجلا صالحا واستخلص على القضاء الشيخ العلامة عماد الدين أبا صالح نصر بن عبدا لرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي في يوم الأربعاء ثامن ذي الحجة، وكان من عادة أبيه أن يرفع إليه حراس الدروب في كل صباح بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة، فقال: نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم، وأطلق من كان في السجون معتقلا على الأموال الديوانية، وفرق في العلماء بقية المائة ألف، فذروني أعمل صالحا وأفعل الخير، فكم مقدار ما بقيت أعيش؟ ولم تزل هذه سيرته حتى توفي في العام الآتي كما سيأتي. فزال ذلك والحمد لله. وكان هذا الخليفة الظاهر حسن الشكل مليح الوجه أبيض مشربا حلو الشمائل شديد القوى. أبو الحسن علي الملقب بالملك الأفضل نور الدين ابن السلطان صلاح الدين بن يوسف بن أيوب، وقد ملك دمشق بعده مدة سنتين ثم أخذها منه عمه العادل، ثم اقتصر على ملك صرخد فأخذها منه أيضا عمه العادل، ثم آل به الحال أن ملك سميساط وبها توفي في هذه السنة، ونقل إلى مدينة حلب فدفن بها بظاهرها. وهو الذي كان قد ولاه والده ** عليهما باستقام الأمر حين ولي فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقى ** من الأواخر ما لاقى من الأول الأمير سيف الدين علي ابن الأمير علم الدين بن سليمان بن جندر وله الصدقات الكثيرة ووقف بها مدرستين إحداهما على الشافعية والأخرى على الحنفية، وبنى الخانات والقناطر وغير ذلك من سبل الخيرات والغزوات رحمه الله. الشيخ علي الكردي الموله المقيم بظاهر باب الجابية وقال آخرون كان له تابع من الجن يتحدث على لسانه. قالت: فمررت به وهو قاعد عند المقابر فوقفت عنده فرفع رأسه وقال لي: ماتت ماتت إيش تعملين؟ فكان كما قال. وحكى لي عبد الله صاحبي قال: صبحت يوما وما كان معي شيء فاجتزت به فدفع إلي نصف درهم وقال: يكفي هذا للخبز والفت بدبس. وقال: مر يوما على الخطيب جمال الدين الدولعي فقال له: يا شيخ علي أكلت اليوم كسيرات يابسة وشربت عليها الماء فكفتني، فقال له: الشيخ علي الكردي وما تطلب نفسك شيئا آخر غير هذا؟ قال: لا، فقال: يا مسلمين من يقنع بكسرة يابسة يحبس نفسه في هذه المقصورة ولا يقضي ما فرضه الله عليه من الحج. عالمها وخطيبها وواعظها، اشتغل على مذهب الإمام أحمد وبرع فيه وبرز وحصل وجمع تفسيرا حافلا في مجلدات كثيرة، وله الخطب المشهورة المنسوبة إليه، قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي، كم تمطلوني بليالي اللقا ** قد ذهب العمر ولم نلتـق وقد ذكرنا أنه قدم بغداد حاجا بعد وفاة شيخه أبي الفرج ابن الجوزي، ووعظ بها في مكان وعظه. الوزير ابن شكر صفي الدين أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الخالق بن شكر، ولد بالديار المصرية بدميرة بين مصر وإسكندرية سنة أربعين وخمسمائة، ودفن بتربته عند مدرسته بمصر، وقد وزر للملك العادل وعمل أشياء في أيامه منها تبليط جامع دمشق وأحاط سور المصلى عليه، وعمل الفوارة ومسجدها وعمارة جامع المزة، وقد نكب وعزل سنة خمس عشرة وستمائة وبقي معزولا إلى هذه السنة فكانت فيها وفاته، فالله أعلم. أبو إسحاق إبراهيم بن المظفر ابن إبراهيم بن علي المعروف بابن البذي الواعظ البغدادي، ما هذه الدنيا بدار مسرة ** فتخوفي مكرا لها وخداعـا بينا الفتى فيها يسر بنفسه ** وبماله يستمتع استمتاعـا لو كان ينطق قال من تحت الثرى ** فليحسن العمل الفتى ما اسطاعا أبو الحسن علي بن الحسن الرازي ثم البغدادي الواعظ عنده فضائل وله شعر حسن، فمنه قوله في الزهد: استعدي يا نفس للموت واسعي ** لنجاة فالحازم المستعـدُ إنما أنت مستعيرة ماسو ** ف تردين والعواري تـردُ أنت تسهين والحوادث لا ** تسهو وتلهين والمنايا تجدُ لا نرجى البقاء في معدن المو ** ت ولا أرضا بها لك وِردُ أي ملك في الأرض أم أي حظ ** لامرئ حظه من الأرض لحدُ كيف يهوى امرؤ لذاذة أيا ** م عليه الأنفاس فيها تعـدُ قال ابن خلكان: كان فقيها وتكلم في الخلاف إلا أنه غلب عليه الشعر، فأجاد فيه واشتهر بنظمه وخدم به الملوك، وله ديوان بالتربة الأشرفية بدمشق، ومن رقيق شعره ورائقه قوله: ومتى وشى واشٍ إليك بأنه ** سال هواك فذاك من عذاله